الحوار المضلل في أميركا بشأن الهجرة

تم نشره في الأحد 5 آذار / مارس 2006. 02:00 صباحاً

   يعتزم مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة أن يبدأ مناقشة قضية الهجرة، ومن المقرر أن تطرح عدة اقتراحات خلال هذه المناقشة. من بين الاقتراحات مشروع قانون بغيض وافق عليه مجلس النواب بالفعل، ينص على بناء جدار على طول الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك واعتبار الدخول غير المشروع إلى الولايات المتحدة جريمة جنائية يعاقب عليها القانون.

   ومن المقرر أيضاً أن ينظر مجلس الشيوخ في مشروع قانون مقدم من عضوي مجلس الشيوخ إدوارد كينيدي وجون ماكين، يقترحان فيه فرض رقابة أكثر تشدداً على الحدود، وبرنامج مؤقت للعاملين المهاجرين يحصلون بمقتضاه على الإقامة والمواطنة بعد مدة من الوقت، علاوة على توفيق أوضاع العمال المقيمين بالفعل بصورة غير قانونية في الولايات المتحدة ومنحهم إقامة شرعية. وهناك اقتراح آخر يلزم كل من يقيم في الولايات المتحدة بصورة غير قانونية، ويرغب في توفيق أوضاعه، بالعودة إلى بلاده وانتظار الرد من إدارة الهجرة.

  والحقيقة أن ذلك الاقتراح الأخير أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة والصدق، فمن الصعب أن نتخيل مواطناً مكسيكياً يقيم في الولايات المتحدة بالفعل ثم يعود طواعية إلى بلدته في زاكاتيكاس، على سبيل المثال، ويتحلى بالصبر في انتظار الحصول على تأشيرة جديدة. لقد ظل الرئيس جورج دبليو بوش يتجنب هذه القضية ويراوغ محاولاً التملص منها منذ ألزم نفسه باتفاقية خاصة بالهجرة مع المكسيك حين زار الرئيس فيسينتي فوكس في جواناجياتو منذ ما يقرب من خمس سنوات.

   أخيراً، وربما في المقام الأول من الأهمية، هناك اقتراح التسوية المقدم من آرلين سبيكتر رئيس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ. يتعرض هذا الاقتراح أيضاً لمسألة فرض رقابة أمنية مشددة على الحدود، علاوة على تطبيق برنامج مدته ست سنوات وغير قابل للتجديد لتوفيق أوضاع العمالة المؤقتة من دون منحهم الفرصة للحصول على الإقامة في المستقبل، على الرغم من أن نفس البرنامج سوف يسمح للمهاجرين المقيمين بصورة غير شرعية بالبقاء في الولايات المتحدة مع حصولهم على وضع جديد لا يعتبرهم من المهاجرين.

   والحالة الأخيرة قد تتضمن أو لا تتضمن الفرصة للحصول على الإقامة والمواطنة في المستقبل؛ وقد يكون عدم البت في هذه المسألة من قبيل التكتيكات التفاوضية الرامية إلى تجنب الحوار بشأن ما إذا كان هذا يعد نوعاً من أشكال العفو المستتر (ومن المؤسف ان الأمر هكذا بالفعل إلى حد ما).

   ولكن هناك عنصرا غائبا عن هذا الحوار تمام الغياب، ألا وهو السياق الخاص بأميركا اللاتينية ذاتها. فقد مر وقت حيث كانت الهجرات من الجنوب إلى الشمال في نصف الكرة الغربي مقتصرة على المكسيك وجزر الكاريبي. لكن الأحوال تبدلت منذ ثمانينيات القرن العشرين حين دفعت الحروب الأهلية في أميركا الوسطى بمئات الآلاف من المهاجرين إلى الولايات المتحدة عبر المكسيك، ثم في التسعينيات حين بدأ الفارون من العنف في كولومبيا، وفنزويلا، وبيرو، والإكوادور، في البحث عن الفرصة لحياة أفضل في الولايات المتحدة.

   وحتى البرازيل التي كانت ذات يوم مقصداً للهجرة، أصبحت اليوم بلداً ينزح منه السكان. فضلاً عن ذلك، فإن هؤلاء المهاجرين ليسوا جميعاً من أصول ريفية كما كان الأمر فيما سبق، كما أنهم لا ينزحون إلى المناطق التقليدية في الولايات المتحدة؛ فقد أصبحوا الآن في كل مكان تقريباً. والحقيقة أن تحويلاتهم النقدية تساهم بصورة حقيقية في تحسين الأحوال المعيشية لعائلاتهم ومجتمعاتهم، بل وتحسين اقتصاد بلدانهم الأصلية.

   ومن هنا فإن السياسة الجديدة الخاصة بالهجرة في الولايات المتحدة، أياً كانت، سوف تكون ذات تأثير هائل، ولن يقتصر ذلك التأثير على المكسيك فحسب، بل سيمتد إلى ريو جراندي في أقصى جنوب البرازيل. ولسوف يحدث هذا في وقت حيث تنحرف أميركا اللاتينية نحو اليسار، وتنجرف دولها واحدة بعد الأخرى إلى المواقف الشعوبية المناهضة للولايات المتحدة.

   إن اليسار المسؤول في شيلي، والبرازيل، والأوروجواي يعد استثناءً للقاعدة الناشئة التي أرساها رئيس فنزويلا هوجو شافيز. والحقيقة أن الوسيلة المثلى لتصعيد مشاعر العداء المتنامية تجاه الولايات المتحدة في المنطقة تتلخص في محاولة إغلاق الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك (وهو ما سيكون بلا أي جدوى على أية حال). بدلاً من هذا يتعين على الولايات المتحدة أن تعمل على إنشاء آليات إنسانية، وآمنة، وقانونية من شأنها أن تحكم الدخول المؤقت أو الدائم لأناس قد يحتاج إليهم اقتصاد الولايات المتحدة ويرغب في وجودهم، كما يتعين على حكومة الولايات المتحدة أن تعمل مع حكومات أميركا اللاتينية وليس ضدها.

   منذ خمسة أعوام حاول رئيس المكسيك فيسينتي فوكس إقناع بوش بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة قبل أن يؤدي ارتداد الولايات المتحدة إلى النزعة القومية إلى تعقيد العلاقات بينها وبين دول أميركا اللاتينية إلى الحد الذي يجعل من المستحيل تحقيق غايات مثل اتفاقية التجارة الحرة بين الأميركتين (FTAA). لكن الأمور ازدادت سوءاً على سوء: فتصاعدت التوترات الحدودية بين الولايات المتحدة والمكسيك، وأثار الجدار المقترح السخط، وتزايدت أعداد المهاجرين بصورة غير قانونية إلى الولايات المتحدة، وانهارت اتفاقية التجارة الحرة بين الأميركتين.

يتعين على بوش أن يبدأ في استخدام ما تبقى له من رأسمال سياسي في دعم الإصلاحات المستنيرة فيما يتصل بالهجرة، هذا إلى جانب تطبيق مشروع قانون كينيدي-ماكين. ومن المؤكد أن بوش لن يحصل أبداً على برنامج لاستضافة العمالة من دون دعم ديمقراطي، وهو بدوره أمر بعيد الاحتمال ما لم يحرص البيت الأبيض على تأييد استفادة المقيمين غير الشرعيين بالفعل من البرنامج، وبحيث يشتمل البرنامج على الفرصة للحصول على الإقامة والمواطنة في المستقبل.

   من الضروري أن تتحلى المكسيك والولايات المتحدة بقدر كبير من الحساسية بشأن الهموم السياسية المحلية في كل من الدولتين. ولن يتسنى لأي مشروع خاص بالهجرة أن يكون عملياً أو معقولاً شمال الحدود ما لم يتم التعامل مع القضايا الأمنية.

   كما يتعين على المكسيك أن تعمل على تفعيل ما أطلق عليه فوكس "المسؤولية المشتركة". ومما لا شك فيه أن أفضل اتفاق يمكن تخيله بين الولايات المتحدة والمكسيك، أو أفضل إصلاح ممكن لقانون الهجرة في الولايات المتحدة، لن يؤدي بين ليلة وضحاها إلى منع الهجرة غير القانونية من المكسيك وجنوب أميركا إلى الولايات المتحدة. ومن هنا فلا بد أن تضطلع المكسيك بمسؤولياتها تجاه تنظيم عمليات العبور غير القانونية. لقد أعرب فوكس عن استعداده لكسر المحظورات المكسيكية القديمة، لكن إدارة بوش لم تحاول قط أن تلزمه بهذا الموقف. وهذا أمر مؤسف، لأن فوكس لن يظل رئيساً للمكسيك إلى الأبد.

   كانت الهجرة تشكل دوماً قضية دقيقة وشديدة التعقيد داخل الولايات المتحدة، والآن بالنسبة لأميركا اللاتينية أيضا. وأثناء ولاية بوش الأولى سنحت الفرصة لتذليل العقبات أمام التوصل إلى حلول للقضايا المتصلة بالهجرة، لكن نافذة الأمل أغلقت في أعقاب الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر. لكن الفرصة الآن أصبحت سانحة من جديد، ولابد من انتهازها قبل أن يفوت الأوان.

جورج ج. كاستانيدا وزير خارجية المكسيك الأسبق (2000-2003)، وهو من الأساتذة البارزين على مستوى العالم في مجال الدراسات السياسية والدراسات المتخصصة في أميركا اللاتينية في جامعة نيويورك.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2006

www.project-syndicate.org

ترجمة: إبراهيم محمد علي

Translated by: Ibrahim M. Ali

التعليق