النقابات المهنية والتمويل الأجنبي

تم نشره في الثلاثاء 28 شباط / فبراير 2006. 02:00 صباحاً

ربما يكون المثل الفرنسي "أن تصل متأخرا خير من ألا تأتي أبدا"، مبررا منطقيا كافيا لتجاوز التساؤل حول دلالة توقيت طرح نقيب المحامين الأردنيين، صالح العرموطي، لقضية التمويل الأجنبي لمراكز دراسات وبحوث في الأردن. إذ إن هذا التمويل، وخلافا لما قد يتصوره البعض بسبب تصريحات المحامي العرموطي، لم يبدأ قبل سنة أو سنتين، وإنما بدأ تقريبا مع إعادة بعث الحياة الديمقراطية في الأردن، وبما لا يمثل استثناء أردنيا بأي درجة كون المنظمات الغربية الممولة لمؤسسات المجتمع المدني (ومنها مراكز الدراسات والبحوث) موجودة في جميع الدول العربية تقريبا. كذلك، فإن هذا التمويل ليس سريا من حيث المبدأ؛ فإضافة إلى وجود فروع لعدد من منظمات التمويل الأجنبية في غير بلد عربي منها الأردن، يكاد لا يغيب ممثل عن هذه المنظمات عن جميع الأنشطة التي تمولها، من مؤتمرات وندوات وورش العمل وغيرها الكثير، ناهيك عن إصدار عدد من المنظمات الأجنبية تقارير سنوية تتضمن حجم الأموال التي قدمتها إلى كل مؤسسة أو منظمة أو مركز حول العالم.

التمويل الأجنبي يبدو مدعاة لإثارة الكثير من الشكوك والتساؤلات، وبالتالي التدقيق والرقابة، من حقيقة أنه "أجنبي" ابتداء، دون أن يعني ذلك بالضرورة تأييدا للاتهامات التي أطلقها نقيب المحامين بأن نشاط مراكز الدراسات والأبحاث الممولة اجنبيا يأخذ طابعاً أمنياً، و"لا يمكن أن يندرج في باب الحريات العامة بل في باب الهجوم على الوطن والتجسس عليه"، إذ تظل هذه الاتهامات على درجة من الخطورة تقتضي دليلا قاطعا يدعمها، بحيث لا يتحول الأمر إلى عملية اغتيال معنوي جماعية عبر تصريحات تطلق على عواهنها. ومن ناحية أخرى، وبالاستناد حتى إلى المعيار الابسط المتمثل في"ما قبل" و"ما بعد"، يمكن ملاحظة حالات "الإثراء الشخصي" لبعض من اتخذ من "جمع التمويل" مهنة بحد ذاتها، مستغلا في ذلك أهدافا سامية تتصل بالديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية وغيرها. وبعبارة أخرى، فقد اسهم التمويل الأجنبي أو بعضه، ومن حيث أراد ذلك أو لم يرد، في تعميم قيم الفساد، والأخطر أنه نقلها إلى منظمات المجتمع المدني بما فيها عدد من مراكز الدراسات، وهي التي يفترض بها أن تكون المداميك الرئيسة للديمقراطية والحكم الرشيد!

لكن برغم كل ذلك، ألا تتحمل النقابات المهنية مسؤولية ليست بالقليلة على الإطلاق عن وجود مراكز دراسات خلقها التمويل الأجنبي وعززها، واستخدمت - بحسب نقيب المحامين- للتجسس على الوطن أو تشويه صورته، وأن هذه النقابات في سعيها إلى تشكيل "لجنة خاصة بمتابعة قضايا التمويل الاجنبي، وكشف خطورته على الوطن، ولنشر التوعية حول سلبياته" إنما تدين نفسها أيضا؟!

البوابة الكبرى التي دخل منها التمويل الأجنبي لم يكن سوى البحث العلمي الذي يشكل حجر الزاوية للتنمية بأبعادها كافة، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ليبدو هنا ضروريا التساؤل حول دور النقابات المهنية على هذا الصعيد؟

في أحسن الظروف، وبعد ما يقرب من عقد ونصف على بدء تدفق التمويل الأجنبي على مراكز الدراسات والبحوث، يمكن القول إن البحث العلمي بأشكاله كافة مازال شبه غائب تماما عن النقابات المهنية، رغم كونها "بيوت خبرة" قبل كل شيء، وهي تتوفر من ناحية أخرى على إمكانات مالية أقل ما يمكن القول بشأنها إنها إمكانات معتبرة! فكم هو عدد الدوريات الرصينة التي تصدرها النقابات المهنية؟ وكم هو عدد البحوث العلمية التطبيقية التي مولتها هذه النقابات كل في مجال تخصصه؟ وكم هو عدد المؤتمرات وورش العمل والندوات العلمية التي عقدتها لتبادل الخبرات مع نظيراتها في الوطن العربي والعالم؟

الإجابة عن هذه الاسئلة وغيرها تظل في الواقع أحد أهم ركائز تقييم عمل النقابات المهنية، لكنها في هذا الوقت تحديدا تقدم مؤشرا على مدى الجدية في مواجهة تبعات التمويل الأجنبي المقدم تحت عنوان البحوث والدراسات على اختلاف حقولها، كما تؤكد على أن التصريحات الاتهامية التي صدرت عن نقيب المحامين لم تكن مجرد محاولة للتعبئة المرحلية التي سرعان ما تختفي باختفاء ظروفها أو أسبابها الطارئة! وباختصار، فإن مواجهة التمويل الأجنبي لا تكون بالمقاطعة او إصدار "قوائم سوداء"، وإنما تكون بداية بتقديم البديل الوطني الحقيقي.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق