روسيا المحيّرة

تم نشره في الأحد 26 شباط / فبراير 2006. 02:00 صباحاً

   حين نزل بباريس لأول مرة في العام 2000 باعتباره الرئيس المنتخب الجديد لروسيا، كان فلاديمير بوتن يحمل رسالة بسيطة ومطمئنة: "أنا أحمل إليكم ما تحتاجون إليه بشدة؛ المصدر المستقر المضمون للطاقة. إن نفطي وغازي لن يكونا أرخص سعراً من الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، لكنهما أكثر ضماناً".

كانت المعاني الضمنية التي أراد بوتن أن ينقلها إلى الغرب هي أن "الطاقة المسيحية"، وحتى "الأرثوذكسية" لا بد وأن تكون أكثر جدارة بالاعتماد عليها من "الطاقة المسلمة" بالنسبة لعالم غربي يعاني من توتر شديد بشأن قضية الاستقرار في الشرق الأوسط.

   كان من المفترض أن تعم الشرق الأوسط الفوضى، وألا يستطيع أحد التكهن بما قد يجري فيه، على العكس من روسيا الجديدة المعاصرة في عهد بوتن. لكن المشكلة اليوم أنه بالنسبة لأهل أوكرانيا، وجورجيا، بل وأهل إيطاليا، لا يبدو أن النفط والغاز "المسيحيين" على نفس القدر من الضمان والاستقرار اللذين وعد بهما بوتن.

   إن المعيار الرئيس الذي يستطيع من خلاله حلفاء روسيا وشركاؤها أن يحكموا عليها يكمن في قدرتهم على توقع تحركاتها، والحقيقة أن روسيا تفتقر إلى هذه الخاصية. فحين يستقبل بوتن قيادات حماس من دون استشارة الأعضاء الآخرين في "المجموعة الرباعية" (الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة) المعنية برعاية محادثات السلام بين إسرائيل وفلسطين، فهل تقصد روسيا بذلك اختبار "مدى أهميتها ككيان مزعج"، أم تحاول الاضطلاع بدور طليعي يحتذي به أعضاء المجموعة الرباعية الآخرون؟

إن ما أصبح أكثر وضوحاً اليوم هو أن الصيغة التي تحدد توجهات السياسة الغربية فيما يتصل بالتعامل مع روسيا منذ انهيار الشيوعية: "فلنشرك روسيا كلما استطعنا، ولنحتوي روسيا إن كان علينا أن نفعل هذا"، هذه الصيغة لا بد وأن تخضع الآن لإعادة النظر بشكل كامل. لقد فشل الغرب إلى حد كبير في دمج روسيا إما كحليف أوروبي أو غربي. تُرى هل كان ذلك راجعاً إلى الافتقار إلى الانفتاح أو الخيال من جانبنا، أو الافتقار إلى الاهتمام أو الحماس من جانب روسيا؟

   إن ورثة الإمبراطورية السوفيتية لم يتوقعوا قط أن ينتهي مصيرهم إلى شركاء "صغار" نادمين ومعجبين بالشريك الأكبر والأكثر ثراءً، ألا وهو الغرب. والحقيقة أن أهل روسيا اليوم لم يعد لديهم شعور بالحنين إلى عهد يلتسين، الذي ربطوا بينه وبين الارتباك، والمهانة، والخزي، والضعف. وفي نظر غالبية أهل روسيا فإن نشوء مجتمع مدني مستقل، وهبوب أول نسائم رياح الديمقراطية المتقلبة لم يكن كافياً لموازنة الإحباط الوطني العميق الذي استشعروه في أعقاب ضياع الإمبراطورية وتمزق الدولة.

   ولكن كيف قد تكون سياسة الاحتواء التي يمكن تطبيقها إزاء روسيا اليوم؟ إن زعماء روسيا الذين يتدثرون اليوم بدثار الأمان السياسي الذي توفره لهم أسعار الطاقة المرتفعة، يشعرون عن حق بأن الوقت يعمل في مصلحتهم، وأننا في الغرب نحتاج إلى روسيا أكثر من حاجة روسيا إلينا.

مما لا شك فيه أن الدور الذي تضطلع به روسيا، باعتبارها أحدث "دولة نفطية" في العالم، يختلف كثيراً عن روسيا حين كان متوسط عمر الرجال يكاد يقترب من متوسط العمر في أفقر دول أفريقيا. لكن الأحداث العالمية تجعل روسيا تميل إلى نسيان موقفها الديمغرافي العصيب، والتركيز بدلاً من ذلك على مستقبلها المشحون بالنفط. والحقيقة أن التوتر المتصاعد في الشرق الأوسط -وبصورة خاصة فيما يتصل بطموحات إيران النووية- من المرجح أن يحمل الولايات المتحدة على الاستمرار في التغاضي عن توجهات روسيا الدبلوماسية المزعجة. كما أن النمو الاقتصادي السريع في الصين والهند يعني أن كلاً من الدولتين سوف تعطي الأولوية لاستقرار إمداداتها من النفط، لتحرصا من ثم على إقامة علاقات طيبة مع روسيا. كما أن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع أن يتحمل نشوب أزمة خطيرة بينه وبين الكرملين.

   ونظراً لطبيعة التدريب الذي تلقاه الدبلوماسيون المحيطون بالرئيس بوتن، فقد يجدوا أنه من الطبيعي أن يطبقوا أساليب العصر السوفيتي، وقد يتصور هؤلاء الدبلوماسيون أن اللحظة قد حانت لرد المهانة التي تعرضوا لها في الماضي. ومن منظورهم، فإن الدفاع عن المصالح الوطنية لروسيا يتطلب اللجوء إلى تكتيكات المساومة المعقدة، حتى إذا ما كادت هذه التكتيكات أن تصل إلى حد الهزل، كما حدث فيما يتصل بقضية الجواسيس البريطانيين المزعومين الذين كانوا يخفون أسراراً في إحدى الصخور داخل متنـزه موسكو.

بطبيعة الحال، لا تستطيع روسيا أن تفكر بجدية في موازنة الولايات المتحدة بالصين، أو حتى بفرنسا، ذلك أن المحور بين باريس، وبرلين، وموسكو لم يكن في واقع الأمر منطقياً قط، حتى حين كان شرودر ما يزال على رأس السلطة في ألمانيا. بل لقد صار ذلك المحور أكثر منافاة للعقل اليوم، في وجود آنجيلا ميركيل -التي لا تراودها أية أوهام بشأن روسيا- كمستشارة لألمانيا.

   الآن بات من الضروري أن نرسم خيطاً رفيعاً فيما يتصل بتحديد توجهات السياسة الغربية إزاء روسيا، ولابد وأن يأتي سلاح ممارسة الضغوط الدبلوماسية الثقيلة -مثل التهديد باستبعاد روسيا من مجموعة الثمانية- كملاذ أخير. لكن الإذعان الخانع لكل ما يختار نظام بوتن أن يقوم به لن يؤدي إلا إلى التأكيد على اعتقاد روسيا بأنها تحمل بين يديها الآن كل الأوراق.

إن العبارة الرئيسة التي يتعين علينا أن نرجع إليها في تحديد توجهاتنا السياسية إزاء روسيا لا بد وأن تكون "القدرة على التوقع". والحقيقة أن روسيا المضمونة المتوقعة هي تلك التي تقدم "طاقة حكم القانون" وليس "الطاقة المسيحية". وقد تشكل "طاقة الديمقراطية" التي تقدمها دولة مثل النرويج هدفاً بعيد المنال فيما يتعلق بروسيا، لكن الدور الذي ينبغي أن تضطلع به روسيا كمورد متوقع للطاقة يتطلب منها العمل على إنهاء حكم الفساد.

   وإن القدرة على توقع تحركات روسيا تتوقف على مدى استعدادها لتحمل المسؤولية. وربما نكون في الغرب في أمس الحاجة إلى الطاقة الروسية، ولكن إذا ما كانت روسيا لا تريد لمستقبلها أن يصل به التفسخ حد التحول إلى حكم استبدادي على النمط الشرقي، فلا بد وأن تنخرط مع الغرب في التزام بمعايير النزاهة والثقة المتبادلة. وإذا ما كان بوتن يسعى حقاً إلى دعم موقف روسيا على الصعيد العالمي، فينبغي عليه ألا يسمح لمشاعر المهانة التي ذاقها الشعب الروسي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي أن تقف حجر عثرة في الطريق إلى تحقيق تلك الغاية.

دومينيك مويسي أحد مؤسسي المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (Ifri) وكبير مستشاريه، وفي الوقت الحالي يعمل أستاذاً بكلية أوروبا في ناتولين بوارسو.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت، 2006

التعليق