الجمع بين ضرورات الأمن والحريات

تم نشره في السبت 25 شباط / فبراير 2006. 02:00 صباحاً

مسألة الموازنة بين الضرورات الامنية والحريات والحقوق المدنية معضلة تواجه الكثير من دول العالم. ونظراً لطبيعة التناقض الاساسي بين المطلبين، فإن التوصل إلى معادلة معقولة ومقبولة تحفظ للانسان كامل حرياته وحقوقه، وتلبي في نفس الوقت الحاجات الامنية الظرفية، لم يكن بالامر السهل. ويزداد الامر صعوبة عندما يتعرض امن اي بلد للخطر، وعندما يترتب على ذلك وضع متطلبات الأمن فوق اي اعتبار آخر.

اذا كانت هذه المعضلة في الوقت الحالي هي من اهم المشكلات التي تواجه الكثير من دول العالم، فإنها ليست جديدة. وفي اكثر الحالات، لا يقاوم الناس اجراءات الأمن التي تطبق من اجل تأمين سلامتهم وحمايتهم ما قد يتربص بهم من خطر، وان ترتبت على هذه الإجراءات بعض المضايقات، لكن طبعاً شريطة أن يكون هذا التطبيق بالطرق الصحيحة التي تحفظ للإنسان كرامته في كل الظروف.

إجراءات التفتيش والمراقبة التي نتعرض لها عند السفر بالطائرة هي اجراءات مزعجة وطويلة، ولكن اي ازعاج واي تأخير يهون عندما نتخيل مقدار الخطر الذي يتهدد سلامة المسافر في غياب مثل هذه الاجراءات. وثمة ما يشبه السباق بين الخطر واجراءات الردع، فكلاهما في تصاعد مستمر، وكلما تنوعت اشكال واساليب الخطر كلما ازدادت بالمقابل اجراءات التفتيش. فبالاضافة إلى التفتيش الالكتروني لكل ما قد يحمله المسافر، فإن عليه ان ينزع جزءاً من ملابسه ليمررها عبر جهاز التفتيش، كما ان عليه نزع حزامه وحذائه، بل وقد يتعرض لمصادرة ولاعة السجائر او اية الة حادة نسيها في حوزته عند التوجه إلى اي مطار للسفر. وعلى بعض الرحلات الداخلية في الولايات المتحدة لا يسمح للمسافر بعد ان يستقر في مقعده ان يغادره لأي سبب اثناء الطيران.

كل هذه الاجراءات معقولة ومقبولة، وقد أصبحت جزءاً من متطلبات السفر التي اعتاد عليها الناس، وخصصوا لها ما يلزم من الوقت. واعتاد الناس كذلك على قبول الرقابة والتفتيش عند دخول الاماكن العامة، والاسواق المركزية، وأماكن الترفيه والفنادق، خاصة بعد الاحداث الاخيرة التي تعرضت لها بعض فنادق عمان. هذا عندنا، اما غيرنا ممن تعرضوا لمثل هذه المخاطر من قبل فقد اتبعت هذه الاجراءات سابقا ايضاً، واعتادوا عليها لسنوات.

ولا صحة لبعض ما نسمع من ادعاء احتجاجي على إجراءات الأمن بأن من ينوي الشر لا يذهب بقنابله إلى المطار وهو يعلم بما قد يواجهه من تفتيش. والرد البسيط على ذلك هو ان قاصد الشر لا يذهب فعلاً بسبب التفتيش الذي يشكل اجراءً مزدوجاً للمنع والردع، لكنه سيذهب إلى المطار بسهولة لو لم يكن هناك مثل هذا المستوى من التفتيش الذي يجب ان يستمر ما استمر التهديد والخطر قائمين.

المشكلة على اي حال ليست في هذا النمط من الاجراءات، بل عندما تتعداه الى مستوى الدخول في صميم حياة المواطن الشخصية، مثل التنصت على المكالمات الهاتفية ومراقبة الاتصالات الخاصة الأخرى،

أو ما هو أهم من كل ذلك تجاوز القانون في التعامل مع المواطن.

الكثير من هذه التجاوزات حدث في بلد كان المواطن فيه يتمتع بأقصى درجات الحماية، وكان القانون فيه يسمو على كل شيء آخر؛ ذلك البلد هو الولايات المتحدة الاميركية، حيث يحتدم الجدل حول اجراء اتخذه الرئيس بالسماح بالتنصت على بعض المكالمات الهاتفية والاتصالات الاخرى دون امر من محكمة، خلافا لمتطلبات القانون. فبينما يصر الرئيس على ان هذا الاجراء ضروري وسليم كجزء من واجبه لحماية مواطني بلده، يرد منتقدوه على ان اي اجراء مهما كانت مبرراته يجب ان يغطيه القانون، لأن أي تجاوز للقانون وأي خروج عيه مهما كان محدوداً وضيقاً في بدايته، يفتح الباب في النهاية الى آفاق بعيدة وغير محدودة من الانتهاك والتجاوز.

ثمة ما هو اكثر خطورة وفظاعة؛ فبعد حرب افغانستان، جمعت الولايات المتحدة اعداداً من المعتقلين والمشبوهين من تلك الحرب وساقتهم الى سجن أعد خصيصاً لهم في قاعدة عسكرية قرب كوبا، في غوانتنامو، في ظروف غير مسبوقة في فظاعتها وخلوها من الانسانية، إلى درجة ان الامم المتحدة طالبت بإغلاق هذا المعتقل فوراً في الاسبوع الماضي، وهنالك اكثر من تقرير ندد بانتهاكات خطيرة لحقوق الانسان في ذلك المعتقل، شملت التعذيب البدني والنفسي، والظلم الناجم عن استمرار الحجز بلا تهمة ولا محاكمة ولا دليل على جريمة، ولا دراية بالمصير المجهول.

كان من الواضح طبعاً ان السلطات الاميركية اختارت خليج غوانتنامو حتى لا يطبق على هؤلاء القانون الاميركي، واختارت لهم اسم "مقاتلون غير شرعيين" (ILLEGAL COMBATANTS) حتى لا تنطبق عليهم قوانين وتشريعات الحرب. وهكذا أجازت استباحتهم واستباحة حقوقهم بأقسى وأفظع الاساليب، ولا تزال المشكلة قائمة.

ومن غوانتنامو الى فضائح سجون التعذيب في اوروبا الشرقية، وفي ابو غريب طبعاً، والتي بلغت ذروة الانتهاك، كما سجلت افظع السوابق.

ما نشهده الآن هو ان الحرب على الارهاب قد انحرفت بعيداً عن مسارها الصحيح عندما اتبعت نهج تصفية حسابات قديمة ولا علاقة لها، فتوجهت نحو العراق، وكذلك عندما اضيف إلى قائمة"الارهابيين" كل من يطالب بإنهاء الاحتلال الاسرائيلي لأي ارض عربية، او كل من يعترض على اجراءات اسرائيل العدوانية! وانحرفت أيضا عن مسارها كل الاجراءات المعقولة التي تقتضيها الضرورات الامنية، لتصبح اداة في ايدي السلطات للانقضاض على حريات المواطنين وحقوقهم!

إذن، المشكلة ليست في ايجاد الحلول المعقولة، بل في تنظيف وتصويب النوايا. والحقيقة البسيطة هي ان اجراءات الأمن ممكنة دون المساس بحقوق المواطن الاساسية، وذلك عندما يكون الاسلوب نزيهاً والغاية نزيهة.

سفير الأردن الاسبق لدى الامم المتحدة

التعليق