إبراهيم غرايبة

جامعات سعودية في قلب المجتمع

تم نشره في الجمعة 10 شباط / فبراير 2006. 02:00 صباحاً

درست في أوائل الثمانينات في جامعة الملك عبد العزيز بجدة في السعودية، وأتذكر أن الجامعة كانت في المساء تضج بالحياة أكثر من النهار، وكانت أمسياتها حتى منتصف الليل وبخاصة في نهاية الأسبوع تغص بالنشاط المنظم والعفوي الثقافي والرياضي والترويحي، وتبدو في كل يوم مثل مهرجان حافل، عائلات منسوبي الجامعة وأصدقائهم والقادمون من المجتمع المحيط تنتظمهم الساحات والمرافق في مباريات رياضية عفوية تتشكل من الموجودين على مختلف أعمارهم، ومكتبة الجامعة مفتوحة للجمهور بلا قيود حتى منتصف الليل، والساحات والأرصفة والمقاعد مليئة بالطلاب والزوار للدراسة والترويح واللعب، وحلقات المسامرة والنقاش، وممرات الجامعة تغص بدراجات الأطفال، وكانت الأنشطة الثقافية التي تقيمها الجامعة من المحاضرات والمسرحيات موجهة لجمهور المدينة وليس للطلاب فقط، وحتى الأنشطة الرياضية المؤسسية فقد كانت متاحة بلا قيود للطلاب ومنتسبي الجامعة وعائلاتهم، ولم تكن الإدارات تشدد في هوية القادمين الذي يكون من بينهم نسبة كبيرة من المجتمع المحيط بالجامعة.

لم تكن الرياضة تشدني ولكني كنت أجد نفسي مرتين أو ثلاث على الأقل أسبوعيا مدفوعا إلى الصالة الرياضية أو الملاعب لأن كل الزملاء والأصدقاء كانوا يتجمعون هناك، وكانت أفضل فرصة للقاء الناس هي الذهاب إلى الصالة الرياضية أو الملاعب، وكان مشهدا ممتعا أقرب إلى الكرنفال أن ترى في صفوف الكاراتيه والجودو والتايكواندو أو في ملاعب كرة القدم والسلة واليد أو في عشرات الألعاب من السباحة والتنس والفروسية، ترى أطفالا صغارا وشبابا وكهولا، وأتذكر أن المدرب الصيني للجودو قدم عرضا طريفا في الاحتفال السنوي الختامي للأنشطة الجامعية، فقد كان طفل صغير في الثامنة من عمره، لعله ابن الشيخ عبد الله علوان رحمه الله، أستاذ الثقافة الإسلامية في الجامعة يواجه أضخم عضو في الفريق ويزيد وزنه على المائة كيلو غرام، وكان الطفل ينقض على خصمه العملاق ويوقعه أرضا في تطبيق مسرحي بالطبع لحركات الجودو إلا في التطبيق الأخير فقد حدث العكس فقد أوقع الشاب الضخم علوان الضئيل، وقذفه بعيدا عدة أمتار، والجمهور الذي يزيد على الثلاثة آلاف شخص في مدرج الصالة يغص بالتشجيع والتصفيق.

وعندما عدت إلى الأردن في أوائل التسعينات خطر لي في إحدى الأمسيات الصيفية الجميلة أن أذهب مع عائلتي إلى الجامعة الأردنية ظنا مني أن الجامعات مثل بعضها وتؤدي الرسالة نفسها، فأوقفني الحارس، وسألني باستغراب إلى أين تذهبون، قلت وأنا أنظر حولي في هذه البوابة الهائلة ولكن لا يتاح منها للدخول سوى جزء ضئيل لا يسمح بمرور أكثر من شخص واحد، وقارنتها ببوابة جامعة الملك عبد العزيز التي لم تكن سوى مقص وكوخ صغير في المنتصف بين الممرين، ولكنها كانت في مضمونها معبرا عملاقا للناس والتجارب والثقافات، وقلت للحارس بأني أرغب وعائلتي في زيارة الجامعة ومشاهدتها، ويبدو أنها كانت بالنسبة للحارس حالة نادرة، فقال وهو يبدو متحيرا بأنه ممنوع الدخول إلى الجامعة، كان الدكتور فوزي غرايبة هو رئيس الجامعة، وقلت له انني من أقارب الرئيس، فقال لي جرب المداخل الجانبية و"بعمل حالي مش شايف" وذهبنا بالفعل من مدخل جانبي من جهة مسجد الجامعة، ولكنا شعرنا بإحباط وإحراج أيضا، زوجتي التي تخرجت في الجامعة الأردنية كانت ترافقني على مضض، ولم تفهم التجربة ولا الهدف منها، وأبنائي الذين وجدوا المكان مملا لا يصلح للزيارة  فذهبنا إلى ساحة مسجد الجامعة، وجلست مع زوجتي على أحد المقاعد ليلعب الأطفال بعض الوقت في الساحة ونعوضهم بعض الخسارة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق