محمد أبو رمان

حماس والمشروع الوطني الفلسطيني

تم نشره في الجمعة 10 شباط / فبراير 2006. 03:00 صباحاً

كتب دانيل بايبس الصهيوني المعروف معلقا على انتصار حماس بعنوان "الحصاد المر للديمقراطية" معبرا عن موقف اليمين الأميركي الذي يتخذ من الإسلام السياسي "فزاعة" لترهيب الإدارة الأميركية من المضي قدما في ضغوطها على النظم العربية باتجاه الديمقراطية على قاعدة أن العالم العربي ليس مؤهلا بعد لعصر الديمقراطية والإصلاح السياسي وأن البديل عن النظم والحكومات الحالية ليس سوى "الأصولية الإسلامية" المعادية للمصالح الأميركية والقيم الليبرالية والديمقراطية.

وإشكالية وضع الديمقراطية والليبرالية في مواجهة متعسفة مع الإسلام السياسي تمثل جوهر خطاب نخبة واسعة من الساسة وصناع الرأي الأميركيين والإسرائيليين، وليس أدل على ذلك من مقال مارتن انديك عام 1993 ( في مجلة الشؤون الخارجية)بعنوان "حد فاصل في الشرق الأوسط" (Watershed in The Middle East) والذي يرى فيه أن مستقبل الشرق الأوسط يقع بين خيارين: إما الليبرالية أو الأصولية الإسلامية.

في المقابل هناك أصوات غربية وأميركية أخرى ترى في فوز حماس فرصة ذهبية حقيقية للضغط عليها وعلى العرب والفلسطينيين. وتحت عنوان "تأهيل حماس" تطالب هذه الأصوات بالتعامل مع حماس واقعيا من خلال وضعها على حافة الهاوية التي لا تمتلك معها إلا القبول بإسرائيل والتخلي عن مشروع المقاومة المسلحة.

أما الموقف الأميركي والأوروبي الرسمي فقد وضعته نتائج الانتخابات في حرج كبير اضطر معه إلى التخلي عن موقفه المبدئي الرافض لمشاركة حماس والقبول بها بشروط رئيسية تتمثل بالاعتراف بإسرائيل والتخلي عن المقاومة المسلحة، مع التهديد بقطع المساعدات المالية عن السلطة في حال لم تقم حماس بتنفيذ الشروط السابقة.

بالتأكيد أن الموقف الأميركي والغربي يمثل أحد أبرز التحديات التي يتوجب على حكومة حماس التعامل معها واقعيا، فالأسس التي قامت عليها السلطة الفلسطينية (أوسلو وما بعدها) تتناقض مع مشروع حماس السياسي المعلن. والسؤال المطروح هو كيف تفكر حماس بمواجهة هذه الموقف المتأزم والحاد؟ في هذا السياق هناك تطور كبير على موقف حماس، فهي وإن كانت مصرة على عدم تقديم تنازل مجاني لإسرائيل، إلاّ أنها تحاول التحلي بقدر من المرونة السياسية من خلال التأكيد على إمكانية الاعتراف المشروط بإسرائيل أو الحديث عن هدنة طويلة الآمد، لكن مع عدم الاعتراف الفوري بإسرائيل، وهو ما يتناقض مع الموقف الأوروبي والأميركي والإسرائيلي الموحد بهذا الخصوص.

على الجهة المقابلة فإن الاستراتيجية الرئيسة التي يلجأ لها قادة حماس تتمثل بالتوجه نحو العالم العربي، سعيا لخلق محيط مساند في مقابل الضغوط الخارجية، من خلال حوارات القاهرة مع الحكومة المصرية والجامعة العربية وعدد من الدول العربية، والقيام بجولة إلى دول الخليج العربي، والبحث عن مصارد دعم مالي بديلة إذا ما أصرت الدول الغربية على قطع المساعدات المالية. إلاّ أن طموح حماس في استنهاض الحالة العربية يبدو أمرا بعيد المنال في الواقع الحالي. فعلى الرغم من اللغة المرنة تماما التي تحدث بها خالد مشعل في القاهرة، واقترب فيها كثيرا من موقف الدول العربية تجاه العملية السلمية، بخاصة حديثه عن المبادرة العربية في قمة بيروت عام  2002 ، إلا أنّ الموقف العربي الرسمي اليوم يعترف بأوسلو وبالعملية السلمية، ولن يتراجع إلى الوراء عن هذا الموقف، بل سيطالب حماس بالقبول به.

يبدو الهاجس الأكبر لدى حماس هو عدم الانزلاق إلى فخ التنازلات المجانية، والتخلي عن ميثاق الحركة، والوقوع في الحرج أمام الشارع الفلسطيني والعربي في ظل "خطاب فتحاوي" يريد أن يبرهن للشعب الفلسطيني على أن حماس عاجزة عن الالتزام بخطابها السابق وأنها مضطرة بالقبول بما قبلت به فتح. لكن على حماس ألا ترهن ممارستها السياسية بهاجس التنازلات المجانية، فحتى الليكود الإسرائيلي تخلى عن رفضه الاعتراف بمنظمة التحرير والتفاوض مع الفلسطينيين. فالعبرة هي في مسار حماس في التفاوض والتعامل مع العالم الغربي وإسرائيل، والاتفاقيات التي ستوقع عليها، وعلى حماس أن تركل الكرة إلى الملعب الآخر، وتسجيل موقف لدى الحكومات العربية يدفعها إلى دور سياسي واضح وقوي داعم للفلسطينين في مواجهة أميركا والاتحاد الأوروبي وإسرائيل، فهذا الموقف هو المفتاح لمواجهة التحديات الكبيرة الأخرى أمام الحركة.

ومن ناحية واقعية، فإن حماس تسير عمليا بهذا الاتجاه، فالقبول بالعملية السياسية واستحقاقاتها، والتصريحات الصادرة عن عدد من قادتها في الداخل، والهدنة التي لا تزال تطبقها كلها مؤشرات في اتجاه القبول بالعملية السلمية وبالاتفاقات التي وقعها الفلسطينيون.

الأهم من ذلك، هو الا ننزلق جميعا إلى اختزال انتصار حماس بمواجهة استحقاق الضغوط الخارجية الغربية والموقف المبدئي من عملية التسوية. فمشروع حماس السياسي يقوم على استحقاق أكبر من ذلك يتمثل بإعادة انتاج المشروع الوطني الفلسطيني، بعدما تردى في الفترة الأخيرة بسبب العديد من الظواهر الخطرة، وأهم الأسئلة التي تواجه حماس، في هذا السياق، الفساد المستشري، والذي فضح جزءا منه، مؤخرا، الكشف عن اختلاس 700 مليون دولار، وتورط رموز في السلطة بعطاءات بناء الجدار العازل! فانتخاب الفلسطينيين لحماس تمّ على أساس انقاذ المشروع الوطني الفلسطيني، وهو الأساس نفسه الذي اختير عليه سابقا الرئيس محمود عباس، الذي جاء على برنامج "انهاء عسكرة الانتفاضة" ومواجهة الفساد، بمعنى أن الهاجس الرئيس للشعب الفلسطيني اليوم هو تجديد المشروع الوطني الفلسطيني على أسس من القوة الداخلية ونبذ عناصر الضعف وفي مقدمتها الفساد المالي.

كما أن هناك سؤال الانفلات الأمني وتشكيل جيش وطني فلسطيني يضم الفصائل المختلفة، وتحدي بناء حياة سياسية ومدنية فلسطينية تعكس درجة عالية من المسؤولية والحيوية، وهناك تحدي مراجعة الاقتصاد الفلسطيني، وأعباء الحياة اليومية للفلسطينيين، وكلها أزمات تتطلب خطابا واقعيا من حماس وقدرة إدارية كبيرة، وهي المحك الحقيقي لاختبار الحركة عمليا أمام الفلسطينيين والعالم.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق