ياسر أبو هلالة

كاريكاتير أشعل حربا عالمية!

تم نشره في الأحد 5 شباط / فبراير 2006. 03:00 صباحاً

كل هذه الحرب سببها رسومات بائسة لرسام في صحيفة متواضعة؟ المسألة ليست "رمانة" بل قلوب" مليانة" كما في المثل الدارج. فالغضب الذي يملأ صدور المسلمين في العالم وجد نقطة رخوة يتفجر منها. فالدنمارك ليست حاكما قاسيا لا يجرؤ الناس على الهتاف بغير حياته ولا هي دولة تمتلك جيوشا ذات قدرة على الاحتلال والفتك والتدمير ولا هي تؤمن مساعدات مالية ولا دعما سياسيا، دولة يتساوى بنظر الناس حضورها من عدمه، فلماذا لا نفجر براكين الغضب فيها.

صفاقة الدنمارك حكومة وصحافة جاءت لتصب الزيت على النار، خصوصا أن موقف ملكة الدنمارك من الإسلام قبل نشر الرسومات، وحسب ما نقل الإعلام عن مذكراتها، وهي رئيسة الكنيسة اللوثرية، يحمل قدرا من الاستخفاف بالمسلمين لا يصدر عمن هو في موقع المسؤولية السياسية والأخلاقية، وهو ما حمل المسألة أبعادا طائفية تزدهر في مثل هذه الأجواء.

صحيح أن المصائب داخلية وخارجية كرست لدى جماهير المسلمين عقدة الاضطهاد، إلا أن التعبير عن هذه العقدة لا يتم إلا إذا كان العامل خارجيا، في الداخل انتهكت أرواح واستبيحت حرمات لكن التعامل معها تم وفق قاعدة "كظم الغيظ" في حين تم تجاهل هذه القاعدة في التعامل مع المسألة الدنماركية. وهي بقدر ما فاقمت عقدة الاضطهاد أعطت الجماهير المسلمة إحساسا بالانتصار من خلال استخدام وسائل التعبير السلمي، تظاهرا ومقاطعة.

تضررت الدنمارك من الحرب العالمية التي اشتعلت وخسرت سوقا كبيرة لا يمكن تعويضها، كان بإمكانها أن تتجاوز هذه الخسائر لو تصرفت حكومتها وصحافتها بحكمة. لم يكن ثمة داع  للحديث المدرسي الممل عن حرية التعبير، وأن الصحافة حرة، خصوصا أنه يقال بلهجة تدريسية استعلائية، فما حصل اعتبره ملايين المسلمين إهانة وازدراء لهم، ولو حصل ذلك مع اليهود أو السيخ أو عبدة الشيطان لاعتذر منهم وطيب خاطرهم. فاحترام الأقليات ونبذ العنصرية من مقومات الديمقراطية مثل حرية التعبير. الدنماركيون في حمأة المشاعر المعادية للإسلام اختاروا المواجهة، فليدفعوا الثمن. ولن يضر العالم العربي والإسلامي لو قطع جميع علاقاته بالدنمارك سياسية أم اقتصادية.

لكن المتضرر الأكبر هو قيمة القبول بالآخر حوار وتعايشا وتفاهما وشراكة، فالحديث عن علاقة الإسلام بالغرب بدا محصورا بمنطق الصراع. وهو ما وصفه الكاتب المرموق روبرت فيسك في الاندبندنت بـ"صبيانية الحضارات".

فالأمر لا يتعلق برأيه بمواجهة بين الإسلام والعلمانية. لأن "المسلمين بكل بساطة ينظرون إلى نبيهم على أنه الرجل الذي اصطفاه الله لتلقي الوحي بينما ننظر نحن (في الغرب) إلى أنبيائنا على أنهم جزء من العهود التاريخية السحيقة لا يتلاءم مع حقوق الإنسان الحديثة".

في المقابل فإن الموقف الأميركي الرافض للرسوم، وكذلك البريطاني، لافت للانتباه. فالخارجية الاميركية اعتبرت ان نشر الرسوم في الصحف الاوروبية يُشكل تحريضاً "غير مقبول" على الحقد الديني او الاثني. وقال الناطق باسم الوزارة جاستن هيغينز ان "هذه الرسوم الكاريكاتورية تسيء حقاً الى معتقدات المسلمين"، مؤكداً "اننا جميعنا نحترم كلياً حرية الصحافة والتعبير ونُقر بها لكن من الضروري ان تقترن بحس المسؤولية لدى الصحافة". واعتبر وزير الخارجية البريطاني جاك سترو ان قرار نشر الرسوم في بعض وسائل الاعلام الاوروبية "غير لائق" وينم عن "قلة احترام" تجاه المسلمين. وأشاد سترو بموقف الصحافة البريطانية "المسؤول".

لكن الجماهير لا تريد أن تسمعه، كان بودها أن يكون موقف الدولتين مؤيدا للرسوم حتى تكتمل صورة العدو، وتتسع ساحة المواجهة. في السودان هتفوا في المظاهرات "اضرب اضرب يابن لادن اضرب اضرب كوبنهاجن"!

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »موقف (بهاء هارون)

    الأحد 5 شباط / فبراير 2006.
    الأستاذ ياسر،لا بد أن نحترم الموقف الأمريكي والبريطاني المعارض لمثل تلك الإساءات، ولو أنني أعتقد أنه جاء لتعديل الحال وتخدير المشاعر المعادية، لكسب نقطة علينا لصالحهم، وقد وصلنا إلى درجة لا بأس بها من الوعي لنفرق بين موقف وآخر، وفي النهاية المسالة كما تفضلت لا تتوقف عند رسم أو صحافة، الصراع يحتدم وتتوسع رقعته في مختلف بقاع الأرض، وعلى حساب المسلمين، والخناق بات أضيق في الدول التي تدعي الديمقراطية والحرية، ومن جهة أخرى فإن ذكر أسامة بن لادن في نهاية المقال فيه دلالات قد تؤخذ ضدنا، على أن الشعوب الإسلامية تقف مع عمليات بن لادن بغض النظر عن حكمنا عليها إرهابية أم لا، ولكن ما ذكرته من مقاطعة والتحام للجهود ألحق ضرراً لا يمكن لابن لادن أوغيره أن يلحقه بهم، دون أن نلاحق بتهم "قتل الأبرياء" و"الإرهاب" الملتصق بالقاعدة وبن لادن وبات وشيكاً أن يلتصق بالإسلام ككل. وشكراً
  • »المسألة اكبر من رسم كاريكاتير (حمزة)

    الأحد 5 شباط / فبراير 2006.
    السلام عليكم ورحمة الله
    الاستاذ ياسر لعله فاتك في المقال ايضا ان استطلاعات الراي الشعبية في الدنمارك ايدت هذه الرسوم وبنسبة عالية68%
    اما بالنسبة لامريكا وبريطانيا فقد رات ان المسالة جدية وليست مظاهرة عابرة فاثرتا التصرف بسياسة ولو لم يحصل ما حصل من استنكار واسع لما اعتذر وزير خارجية بولندا قبل قليل ولما تم سجن جهاد المومني ؟ والخالدي واخيرا رب ضارة نافعة لعل الاستغناء عن البضاعة الاجنبية يثير روحا ايجابية تنعش اقتصادات الدول التي لا تعرف حتى الان صناعة الاجبان ولك تحياتي
  • »تعقيب على مقولة الاخ ياسر (عصام الحسن)

    الأحد 5 شباط / فبراير 2006.
    شكرا لك اخي ياسر على مقالتك الجميلة، وتعقيبا عليها اود ان اقول ،اولا بأن هؤلاء لا يتركون للمسلمين فرحه، فمنذ ان فازت حماس بالانتخابات ، وهذه الرسوم قد برزت كأنهم يعلمون بأن المسلمون سينشغلون عن فرحتهم بشيء، ثانيا ستجد طبعا فريقا منهم يعارض ومن الذى عارض؟ الفريق الامريكي والبريطاني!! ليكسبوا لهم صوت عندنا ونقول انهم "مناح" اعتقد ان اوروبا والمجتمع الغربي متفقين متل كفة الميزان يكونوا، اذا نزلت واحده ترجحها الاخرى.
  • »الجماهير (ياسر احمد)

    الأحد 5 شباط / فبراير 2006.
    السيد ابو هلالة المحترم
    ماجاء في مقالك كان تحليلا ووصفا دقيقا لما يجري
    مع انه جانب الصواب في نهاية المقال
    فالجماهير يا ابو هلالة لا تريد ان لاتسمع من بريطانيا وامريكا موقفها الشاجب للرسومات وكفانا الصاقا بهذه الجماهير تهما من الشمال واخرى من الجنوب
    فالجماهير لاتستهدف معادة امريكا او بريطانيا اذا كانت مواقفهما واضحة وعادلة
    ولا تكيل بالف مكيال .
  • »كاريكاتير أشعل حربا عالمية (د. الضمور)

    الأحد 5 شباط / فبراير 2006.
    اخي ياسر ابو هلاله
    تحياتي وتقديري لك ولرايك فيما كتبت واعتقد ان الامر كما ذكرت ن البحث عن مبررات او اعذار لهؤلاء الحثالة غير مطلوب وقد أن الاوان لمواجهة هؤلاء السفلة ..فماذا بعد‍! ان ما يكتب اليوم للبحث عن مبررات لهؤلاء السفلة فهو شيطان اخرس فهم ليسو جهلة كما يدعي البعض او ان هناك قصورا في معرفتهم للمسلمين فهم يعرفون الحقائق اكثر منا لكنهم يريدونها حربا صليبة، يرودون ان يعروا المسلمين لكنهم لن يقدروا على ذلك (فالسحر انقلب على ساحره " انشاء الله .
    ما اطلبه منك في كتباتك ان تركز ان اصدار قوانين وانظمة دوليه تحرم الاساءة للدين او الاستهزاء
    شكرا لك