جميل النمري

مؤتمر دولي لاستدراك الخطر

تم نشره في السبت 4 شباط / فبراير 2006. 02:00 صباحاً

بعد كل الجهود المخلصة لصالح الحوار والتآخي وارساء مفاهيم التسامح وقبول الآخر، وهي جهود كان للأردن حصّة وافرة فيها، جاء من يفسد هذه الجهود بعمل اخرق من قبل صحيفة مغمورة، في بلد صغير مثل الدنمارك، والتي كانت أنموذجا، مع دول اسكندنافية اخرى، لمجتمع الرفاه والتقدم والتسامح والحياد الايجابي، من دون ماض استعماري او عدائي مع العالم الاسلامي والعالم الثالث عموما.

ما حدث هو نموذج فظيع للصدام بين الثقافات؛ إذ بدا ان تدارك حادثة نشر الرسوم الكاريكاتورية المشؤومة بات ممكنا بعد الاعتذار العلني على صفحات الصحيفة، والاعتذار الشخصي من رئيس الوزراء الدنماركي، لكنّ صحفا اخرى قررت ان "تفزع" لمبدأ "حرية التعبير" الذي لا يستثني الشخصيات والرموز الدينية، فأعادت نشر تلك الرسوم، في تصادم مباشر وخطير مع المبادئ الاسلامية التي لا تقبل بأي شكل رسوما تصوّر الرسل والانبياء، فما بالك بالرسوم الساخرة!

رؤساء تحرير بعض الصحف وجدها فرصة للشهرة، وقد عاقبت ادارة صحيفة فرنسية رئيس التحرير بالفصل، لكن صحفا اخرى على درجة من الجدّية ارادت خوض معركة الدفاع عن ما تراه تقاليدا اوروبية راسخة وغير قابلة للمساومة في حرّية التعبير لا تسثني شيئا، وهي تستغل حماية القوانين السائدة لها. وهذا التحدّي اذا ما استمر فهو مدخل لصدام حقيقي وكارثي بين ثقافتين، وشقاق خطير، ديني وحضاري، لا تحصد منه الشعوب الا الخسارة والخراب، ومن ثم يجب تداركه من كل الاطراف، وانقاذ المبدأين في آن معا، حرّية التعبير من جهة وحرمة الرموز الدينية والمقدسات الخاصّة بأي دين من جهة ثانية. ولا يقال لنا ان هذا استثناء يخلّ بالمبدأ، فالتشكيك بالهولوكوست (المحرقة اليهودية) محظور، وتعاقب عليه الكثير من القوانين الاوروبية؛ وهل مصلحة التعايش مع هوّية وثقافة أكثر من مليار انسان أقل اهميّة؟!

من جهة أخرى، قرأنا عن ردود افعال متطرفة ومسيئة وغير مبررة، مثل بيان عن كتائب الاقصى ولجان المقاومة في غزّة أعلن هدر دم جميع مواطني دول اوروبية ذكرها البيان! وهدّد بقصف الكنائس في غزّة! ولا ندري من وضع توقيع فصائل مناضلة على هذا الكلام الأخرق!

ما يحدث يهدد بنسف كل الجهود المخلصة للعقلاء وكبار رجال الدين، من كل الاطراف، في سبيل ارساء اسس التعايش والاحترام العميق لقيم ومقدسات كل طرف، ولذلك ربما يكون قد بات ضروريا عقد مؤتمر دولي سياسي-اعلامي، وعلى مستوى الحكومات، يرسي وثيقة تفاهم واتفاق تكتسب صفة قانونية ملزمة تجرّم الاساءة لأي دين او معتقد، وفق معايير واسس معلنة يتفق عليها الجميع.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق