جميل النمري

انتخابات الوضع المستحيل: مقدمات ونتائج

تم نشره في الجمعة 27 كانون الثاني / يناير 2006. 02:00 صباحاً

لم تتوقع اي من استطلاعات الرأي، على الاطلاق، النتيجة التي تمخضت عنها الانتخابات الفلسطينية، وهذه مسألة اضافية تستحق التحليل. اما الآراء السياسية، فلم تضع في الاعتبار جديا، في اي لحظة، هذا الاحتمال الذي يقلب كل شيء، ويخلق وضعا مستحيلا للجميع، بما في ذلك حماس.

في صبيحة يوم الانتخابات لم يكن شيء ينبئ بالنتيجة؛ فقط كان هناك قلق من آخر استطلاع للرأي أظهر مزيدا من التقدم لحماس، لدرجة ان فتح قد تعجز عن الحصول وحدها على اغلبية 51%، وبذلك ستخضع لشروط انشاء ائتلاف حكومي مع قوى اخرى.

بل ان استطلاع جامعة بير زيت الميداني يوم الانتخابات، والذي يعتمد على ما يدلي به الناخبون الخارجون من مراكز الاقتراع - وهي صيغة ذات مصداقية عالية- اعطى نسبا اعتبرت مقلقة، كونها توقعت 63 مقعدا لفتح و58 مقعدا لحماس؛ فيما توقعت على مستوى النسب 44% لحماس و48% لفتح، ومقعدين او ثلاثة لكل قائمة من الاطراف الرئيسة الاخرى. وهذا التقدير الاخير هو الوحيد الذي ظهر قريبا من الواقع، وهو بالطبع اقلّ كثيرا مما كانت تعطيه استطلاعات الرأي السابقة، لكننا في جولتنا على المراكز يوم الاقتراع، كان يمكن تلمس ثنائية الاستقطاب الحادّة بين فتح وحماس، وغياب القوى الاخرى.

عند كل مركز اقتراع تقريبا كنت تجد صفّين طويلين من الشباب، واحيانا الفتيات، على جانب لحماس وعلى جانب لفتح. ومن حين لآخر، كنت تجد او لا تجد من يوزع اوراقا لهذه او تلك من القوائم الاخرى. وكان الوفد الأردني الرسمي، برئاسة رئيس الوزراء الاسبق عبدالسلام المجالي، قد توجه الى الجنوب؛ بيت لحم وبيت ساحور ودورا والسواحرة والخليل، فيما توجه الوفد النيابي شمالا الى نابلس وطولكرم وقلقيلية وجنين، اما أنا فبقيت بين القدس ورام الله. وكان الانطباع ممتازا عن التنظيم والدقة وتسلسل العملية الانتخابية، فهي افضل من اي بلد عربي! ويمكن التخمين ان لمسة الاوروبيين كانت واضحة، والارجح انهم عملوا على تدريب الشباب والفتيات طويلا على هذا العمل، وانفقوا بسخاء على الترتيبات. وكانت هناك كراريس انيقة وباهظة الثمن لخرائط ملوّنة تفصّل مواقع الاقتراع في اطار الوضع المعقد لحواجز ومناطق السيطرة الاسرائيلية.

مع المساء كان القلق قد بدأ يظهر في الوسط الفتحاوي، وشهدت الساعتان الاخيرتان مضاعفة للجهود الفتحاوية، لكن الامور كانت اسوأ من ان يتم تداركها بهذا الجهد المتأخر.

في منتصف الليل، كانت المعلومات قد بدأت تتوارد عن تقدم حماس، بل واكتساحها مقاعد غزّة والخليل، وتفوقها في معظم الدوائر. وقد اتضح ان بقية القوى لم تحقق اي نتائج في الدوائر مع حدّة الاستقطاب الثنائي، إذ اصبح اعطاء اصوات لأي مرشح آخر سيكون على حساب فرصة مرشح حماس او مرشح فتح.

حسب الاحصاء النهائي للتصويت على قوائم التمثيل النسبي، وهي نصف عدد المقاعد اي 66 مقعدا، حازت فتح على 39.1%، فيما حصلت حماس على 41% من الاصوات؛ وهذا الفارق هو اقل بكثير من الفارق في مقاعد التمثيل للدوائر والتصويت الفردي. وحسب ما قيل، فإن اسم فتح كحركة يبقى اكثر جاذبية وجذبا من اسماء مرشحيها الذين افتقد كثير منهم إلى الاحترام  والمصداقية.

اسباب الاكتساح "الحماسي" كثيرة، ونبدأ بآخر سبب لم يلفت الانتباه، ولم يتم التفكير فيه عند تصميم النظام الانتخابي. ففي مقاعد الدوائر، يحق للناخب ان يضع اسماء كل مرشحي الدائرة، وبينما كان الالتزام بقائمة حماس كاملا، كان كل من المرشحين الآخرين معنيا بنفسه، ولو بهدر بقية الاصوات، وهذا ما اتاح لحماس اكتساح مقاعد الدوائر، ربما بأكثر مما كانت تتوقع. لكن في كل الاحوال، وكما توضح النسب لقوائم التمثيل النسبي، فقد استحقت حماس الاكثرية.

سمعنا كثيرا عن الخراب الذي لحق بالوضع الداخلي الفتحاوي، والانقسامات والشلل والعصابات والفساد... الخ، وقد لفت احد رجال السلطة انتباهي الى امر طريف، فقد قال ان عدد الاسر التي تعتمد على  رواتب مساعدات او دعم من حماس تضاهي ما تقدمه فتح والسلطة، لكن الفارق ان ما يأتي من السلطة يعتبر حقا لأصحابه، وهو دائما اقلّ مما يستحقون، إذ إنهم دائما يقارنون ذلك بما يحصل عليه كبار رجال السلطة واثرياؤها، ولذلك فهم غالبا ساخطون. اما ما تعطيه حماس، فهو خير يقدّر، ويعود عليها بالمحبة والشعبية، وهي التي تقف في المعارضة، وتقاتل وتناضل وتضحي.

لكن الشيء الاخير والاهمّ هو ان السلطة وضعت في حالة غير معقولة لمن يجب ان ينافس على الشعبية. فحتى اليوم الاخير، كان الجيش الاسرائيلي يدخل ويقتل، بينما على السلطة ادانة كل ردّ فعل فلسطيني! اعتدال عباس لم يكافأ بشيء؛ لقد تركوه يذهب الى الانتخابات، هو وفتح، من دون ان يفرح بإنجاز صغير واحد يقدمه للشعب الفلسطيني! بل ان الاسابيع الاخير شهدت فقط كل ممارسة يمكن ان تزيد شعبية حماس، مثل "اعلان" الاحتجاج على السماح لها بالمشاركة في الانتخابات، أو  ملاحقة رموزها في القدس، او الاعلان في صحف اميركية عن تمويل اميركي لحملة فتح... الخ!

لقد دفعت فتح الثمن الذي توجب ان تدفعه في ضوء تاريخ طويل من فساد السلطة، والفشل الكبير في بناء مؤسسية محترمة كان يستحقها الشعب الفلسطيني، وهي ضرورة مع تحول سلطة الثورة الى سلطة الدولة. لكن هذه النتائج مهداة ايضا للمجتمع الدولي كله، والذي خذل سلطة الاعتدال الفلسطيني، وتركها تذهب الى الانتخابات عزلاء، لا تملك ما تقدمه لشعبها من انجازات سوى ما يراه الشعب الفلسطيني من معاناة واضطهاد.

هناك ايجابية كبرى، هي ان الشعب الفلسطيني مارس الديمقراطية بأرقى صورة، وفي ظلّ عملية اتسمت بالنزاهة التامّة، اعطت انقلابا سياسيا كان من المستحيل ان يتحقق في اي بلد عربي، وهو حين حصل مرّة في الجزائر قاد الى حرب اهلية! اما الان في فلسطين، فالجميع يؤكّد اول ما يؤكد على احترام نتائج الانتخابات، وامّا الاثر السياسي لهذه النتائج فهي قصّة اخرى.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق