تشقق في الإجماع السياسي في إسرائيل

تم نشره في السبت 21 كانون الثاني / يناير 2006. 03:00 صباحاً

من المقولات المتداولة في إسرائيل وغيرها أنه في الوقت الذي يوجد فيه إنقسام في الوسط اليهودي في إسرائيل بشأن الانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة، يوجد في المقابل إجماع وطني على أهمية إبقاء القدس مدينة موحدة تحت السيادة الإسرائيلية. وتكاد لا تخلو انتخابات عامة واحدة من تباري المتنافسين فيها على التأكيد على ضرورة المحافظة على السيطرة الأبدية على القدس الموحدة؛ ويسمى ذلك في الأدبيات الإسرائيلية "خطا أحمر".

بيد أنه ومنذ زمن قريب، بدأ تشقق واضح في الاجماع السياسي الإسرائيلي يبرز إلى السطح بشأن مستقبل المدينة المقدسة. وقد ظهرت بعض الدراسات المسحية التي تؤكد أن الموقف أكثر تعقيدا من المقولة المتعلقة بضرورة إبقاء القدس عاصمة موحدة لإسرائيل. آخر هذه الدراسات هو البحث الذي أعده الدكتور أهارون فين من معهد القدس للدراسات الإسرائيلية، والذي ينوي تقديمه في مؤتمر هرتسليا في الأسبوع القادم. والبحث هو نتاج استطلاع موسع للرأي لتحديد مواقف الإسرائيليين من مستقبل مدينة القدس.

اعتمد الاستطلاع على مقاييس ديمغرافية واجتماعية وأمنية واقتصادية، كعوامل تؤثر على موقف الاسرائيليين، وليس الموقف الأيديولوجي المعروف، وغير المستند إلى دراسات علمية. وتشكل هذه العوامل مجتمعة مواقف الاسرائيليين المتباينة نحو القدس.

ففيما يتعلق بالديمغرافيا، تبدو الصورة قاتمة؛ إذ إن الأغلبية اليهودية التي بلغت 75% عند ضم القدس في العام 1967، تقلصت الى 66% في الوقت الحاضر، ويتوقع أن تصل نسبة اليهود في المدينة إلى 58% في العام 2020، هبوطا الى 50% في العام 2030. ومما يزيد الوضع الديمغرافي سوءا وجود هجرة يهودية من المدينة، بلغت في العقدين المنصرمين حوالي مائة ألف مواطن. ويبين الاستطلاع أن غالبية 95.3% من المستطلعين يعتقدون بأهمية المحافظة على أغلبية يهودية مهمة في القدس.

المؤشر الاقتصادي ذو اتجاه سلبي أيضا. فالقدس هي أفقر المدن الكبرى في إسرائيل نظرا إلى تدني نسبة القوى العاملة فيها، كون العديد من اليهود الأرثوذكس لا يعملون. كذلك، فإن معدل دخل الفرد في القدس هو الأقل في إسرائيل، ووجود ما يقارب ثلث العائلات التي تعيش تحت خط الفقر.

أما على صعيد المؤشر الأمني، فهو الأسوأ في إسرائيل؛ وتفيد الإحصاءات الرسمية بأنه ومنذ بدء انتفاضة الأقصى، بلغ عدد العمليات الفلسطينية العسكرية في القدس 635 عملية. وقد قتل حوالي 211 شخصا وجرح 1643 آخرون. وبالتالي، فالوضع الأمني المتردي في مدينة القدس هو أحد أهم الأسباب التي تخلق تباينات في المواقف الاسرائيلية نحو القدس.

أما النتيجة العملية لتشابك المؤشرات سالفة الذكر فهي تأييد أكثر من نصف الاسرائيليين للتنازل عن الأحياء العربية في القدس، وإعادة تقسيم المدينة في سياق اتفاقية سلام حقيقي مع الفلسطينيين. بيد أن ما نسبته 75% من المؤيدين للتنازل عن أجزاء من القدس لا يعتقدون بإمكانية تحقيق سلام حقيقي مع الفلسطينيين! ومن ثم، فالموقف من المدينة القديمة معقد، بيد أنه لا توجد أغلبية يهودية مع التنازل عنها لمصلحة الفلسطينيين.

ومن دون شك، فإن النخب السياسية في إسرائيل على إطلاع على الوضع الحقيقي كما يعكسه الاستطلاع، إلا أن "الاقتتال" والتنافس على حفنة من أصوات المتشددين تمنع بروز زعيم إسرائيلي مستعد لمواجهة الجماهير في الانتخابات. وتصريحات شمعون بيرس الأخيرة في واشنطن، ومحادثاته مع كوندوليزا رايس، تعكس فهما لحقيقة الأمر؛ ويعلن بيرس استعداد إسرائيل/كديما للتفاوض مع السلطة الفلسطينية حول قضايا الحل النهائي.

طبعا لا يمكن الركون إلى هذه التوجهات غير الجديدة، ولا بد للطرف الفلسطيني من أن يحرم إسرائيل من الاستمرار في اللعبة أحادية الجانب، وذلك بإجراء الانتخابات، وإعادة تأهيل السلطة كشريك ديمقراطي قادر ومسيطر على الأمور.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق