أوراق إيران الإقليمية: هل تحول دون تدجينها؟

تم نشره في الأربعاء 18 كانون الثاني / يناير 2006. 03:00 صباحاً

ما الذي يدفع إيران الى الدخول في مواجهة مع المجتمع الدولي بسبب برنامجها النووي؟ يكمن الجواب ان النظام في إيران وجد لديه من أوراق الضغط ما يسمح له في الذهاب بعيداً في هذه المواجهة. ويقدّر النظام أنه سيخرج منتصراً من أي مواجهة، فيكرس بشكل نهائي الدور الأقليمي لإيران بكونها القوة المهيمنة في منطقة الخليج من جهة، وقوة لا بد من أخذها في الحسبان في الجانب الآخر من القارة الآسيوية من جهة أخرى. والجانب الآخر هو شبه الجزيرة الهندية، حيث الهند وباكستان، القوتان اللتان استطاعتا تطوير سلاحهما النووي بعيداً عن أنظار العالم، وفرضتا عليه أمراً واقعاً لم يكن لديه خيار سوى القبول به.

ما دامت الهند وباكستان استطاعتا امتلاك القنبلة النووية، لماذا لا تفعل إيران ذلك؟ ولماذا يقبل العالم بالهند وباكستان قوتين نوويتين ولا يقبل بالقنبلة الإيرانية؟ أكثر من ذلك لماذا يسكت العالم عن إسرائيل التي تمتلك السلاح النووي منذ عقود عدة وترفض الخضوع لأي عملية تفتيش بموجب القوانين المعمول بها دولياً؟

قبل كل شيء، لا يمكن مقارنة ايران بالهند وباكستان وذلك لسبب في غاية البساطة يعود الى أن الهند امتلكت القنبلة تاريخياً بدعم ما كان يسمّى الاتحاد السوفيتي الذي أراد اقامة توازن بينه وبين الصين في مرحلة ما. أما باكستان، فقد جاء امتلاكها للسلاح النووي بدعم صيني وذلك كي تقيم بدورها توازناً مع الهند. وفي كل الأحوال، بات العالم يقبل هذه المعادلة من منطلق أن الهند وباكستان تمتلكان سياسة مسالمة ولا أطماع لأي منهما خارج حدوده، والنزاع الوحيد الذي تورط فيه البلدان هو النزاع القائم بينهما بسبب كشمير.

بالنسبة الى إسرائيل، كان السماح لها بامتلاك السلاح النووي قراراً اوروبياً أوّلا ما لبث أن  صار قراراً عالمياً بعدما قبلت الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الأمر الواقع المتمثل في أن الدولة اليهودية قوة نووية. بالطبع لا يمكن الدفاع بأي شكل عن امتلاك اسرائيل السلاح النووي، الاّ ان ما لا بد من ملاحظته هو أن العرب على الرغم من كل الهزائم التي لحقت بهم استطاعوا استيعاب اسرائيل وسياستها التوسعية، ولم يسمحوا لها بان تكون صاحبة تأثير أو نفوذ في أي عاصمة عربية، بما في ذلك في عاصمتي الدولتين اللتين وقعتا معاهدة سلام معها، أي مصر والأردن. بقي التطبيع مع إسرائيل محدوداً جدّاً. ولم يكن يوم كان فيه التطبيع حقيقة تستحق الأخذ والرد الاّ لدى بعض العقول التي لا تقبل التعاطي الاّ مع الأوهام. والمؤسف هذه الأيام ان تصريحات تصدر عن مسؤولين ايرانيين توفر غطاء للقنبلة النووية الاسرائيلية.

أن تتحوّل ايران الى قوة نوية، ذلك أمر مختلف، ليس لأن ايران الحالية أكثر خطورة من اسرائيل، بل لأن ايران استطاعت في السنوات الأخيرة أن تكون المستفيد الأوّل من الحرب الأميركية على الارهاب، وأن تعزز نفوذها في اتجاهات مختلفة بما يتناسب مع أيدولوجية تصب في المصلحة الإيرانية فقط.

عززت ايران نفوذها في أفغانستان بعد سقوط نظام "طالبان" الذي كان يناصبها العداء. وبفضل السياسة الأميركية أيضاً، استطاعت الانتقام من النظام العراقي الذي خاض معها حرباً طويلة في الثمانينات من القرن الماضي. لعبت ايران أوراقها في العراق بذكاء كبير، وكانت في الواقع العملي، بعيدا عن الشعارات الرنانة، الحليف الأقليمي الوحيد للادارة الأميركية في حربها على العراق. والدليل على ذلك أنها أيدت الحرب ضمناً ودعمتها عملياً ثم أيدّت كل الخطوات التي أقدم عليها الاحتلال الأميركي بهدف التخلّص من المعادلة التي حكمت العراق في الماضي وإقامة معادلة جديدة ترتكز على "الأكثرية الشيعية" وعلى نظام فيدرالي يؤدي في نهاية المطاف الى قيام جنوب شيعي. ومتى أدركنا أن الجنوب هو المنطقة الغنية بالنفط، يبدو واضحاً كل الوضوح أن ايران لن تتخلى بسهولة عن تلك المنطقة وستكون على استعداد للضغط في اتجاه سيطرة الأكراد على كمية من نفط كركوك تكون جائزة ترضية لهم على دعمهم قيم كيان شبه مستقل في الجنوب.

بعد حرب العراق، باتت إيران تدرك ان حلمها القديم تحقق. حققه لها من تسميه "الشيطان الأكبر" الذي صار جنوده رهائن لديها بعدما خلّصوها من نظام سعت دائماً الى التخلص منه. في يوم واحد يستطيع الايرانيون، أن يلحقوا بالأميركيين والبريطانيين المنتشرين في الجنوب كل ما يريدونه من أذى، فلماذا يكون استغلال هذا الوضع الذي أوجده الأميركيون والانطلاق في اتجاه تحقيق الطموحات ذات الطابع النووي، هل من فرصة أفضل من هذه الفرصة التي قد لا تتوفّر مرة أخرى في المدى المنظور؟

تخلّصت ايران بفضل "العدو" الأميركي، الذي تبين أنه يعمل لديها عن قصد أو غير قصد، من نظام "طالبان" وصار العراق منطقة نفوذ لها. وتبين أن اعادة رسم خريطة الشرق الأوسط تصب في مصلحتها أوّلا. ولعلّ أفضل دليل على ذلك الوضع السوري الذي طرأ عليه تحوّل في غاية الأهمية. يتمثل هذا التحول في أن ايران صارت لاعباً أساسياً في سوريا- العهد الجديد. وبكلام أوضح، لم تعد دمشق تستغل، كما كان يحصل في عهد الرئيس حافظ الأسد، العلاقة مع طهران في لعبة شدّ الحبال مع المحيط العربي. بل صارت بكل بساطة متماهية مع السياسة التي تقرر في طهران ومع الاستراتيجية الايرانية. بكل بساطة صارت طهران الآن هي التي توظف دمشق في اللعبة التي تمارسها على الصعيد الأقليمي في حين أن العكس كان صحيحاً في الماضي في عهد الأسد الأب.

وانعكس الدور الإيراني بوضوح على لبنان حيث تحولّت إلى أداة إيرانية اسمها "حزب الله" حليفاً يتعاطى بندية مع النظام السوري، في حين كان الأمر مختلفاً في الماضي حين كان النظام السوري يعمل على ابقاء مسافة معينة في العلاقة مع "حزب الله" مع التأكيد باستمرار أنه صاحب الكلمة الأولى والأخيرة التي لا تُرد في لبنان. صار"حزب الله" حاجة لسورية في لبنان، حتى في مرحلة ما قبل الانسحاب العسكري السوري من البلد، في حين كان الحزب في أمس الحاجة الى النظام السوري في عهد حافظ الأسد. لقد اختلفت المقاييس في التعامل بين الجانبين وصار الخلل القائم حالياً لمصلحة الحزب في العلاقة بينه وبين دمشق، وهذا الخلل مرشّح لأن يزداد يومياً.

من يمتلك كل هذه الأوراق الأقليمية تضاف اليها ورقة النفط الذي أمنت اسعاره بحبوحة للنظام جعلته قادراً الى حدّ ما على مواجهة الضغوط الداخلية، يبدو قادراً على ضرب عرض الحائط بالاعتراضات الدولية على البرنامج النووي الأيراني. وفي كل الأحوال، هناك ورقة ايرانية تضاف الى كل هذه الأوراق: تتمثل في القدرة على تعطيل جزء من انتاج النفط في الخليج، في حال تعرضت الأراضي الايرانية لأي عمل عسكري.

ليس سهلا على العالم القبول بالبرنامج النووي الايراني، كذلك ليس سهلاً عليه اجبار ايران على التخلص منه. الأكيد أن ايران ستحتل العناوين الكبرى للصحف ووسائل الاعلام المختلفة في السنة 2006 وستظل السؤال المحيّر الذي يفرض نفسه بالحاح على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين؟ ما العمل مع ايران، هل مسموح لدولة تمتلك كل هذه الطموحات دخول النادي النووي؟ الجواب أن ذلك ليس مسموحا،ً علماً بأن كل شيء سيعود في النهاية الى مدى الاستعداد الأميركي في الذهاب بعيداً في التخلص من البرنامج النووي الايراني. هل يذهب الأميركيون الى الحد الذي ذهبوا اليه في العراق الأمر الذي أجبره على التخلي باكراً عن طموحاته النووية؟ أم يذهبون الى أبعد من ذلك؟

الأمر الوحيد الذي يمكن الجزم به أن الأسابيع، وربما الأشهر القليلة المقبلة، ستكون حبلى بالمفاجآت والمساعي الهادفة الى تطويق ايران بهدف تدجينها! هل تحول الأوراق الكثيرة والخطيرة لدى ايران دون التدجين؟ ربما نعم وربما لا مع ترجيح اللا على النعم.  

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق