د.باسم الطويسي

الأردن في كتب الرحالة الغربيين

تم نشره في السبت 14 كانون الثاني / يناير 2006. 03:00 صباحاً

يقدم د.احمد عويدي العبادي للمكتبة العربية إضافة جديدة إلى اهتمامه السابق بالدراسات الاجتماعية والانثرويولوجية للمجتمع الأردني، تتمثل بتعريب ثلاثة كتب من مؤلفات الرحالة الغربيين الذين جالوا في شرق الأردن على مدى مساحة زمنية امتدت حوالي خمسة عقود من القرن التاسع عشر إلى مطلع القرن العشرين، وهي إحدى المراحل الهامة في تكوين المجتمع الأردني الحديث وتماسس أنويته وهياكله.

والكتب التي تم تعريبها بعد أكثر من قرن على صدورها هي كتاب (أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الأردن والجانب الشرقي للبحر الميت) للرحالة الإنجليزي ترمسترام وصدر لأول مرة عام 1873، والكتاب الثاني بعنوان (ما وراء الأردن: حياة ومغامرات) كتبه الرحالة روبنسون ليز ونشر عام 1890، أما الكتاب الثالث بعنوان (وادي الأردن والبتراء) كتبه باحثان أميركيان في أول بعثة أميركية تزور الأردن عام 1902 هما وليم ليبي وفرانكلين هوسكين.

وبين ما يقال حول النوايا التي كانت وراء ظاهرة الرحالة الغربيين الذي جابوا المشرق العربي على مدى القرون الأخيرة الماضية وسمات المعرفة والصور الذهنية التي أسهموا في تشكيلها حول الشرق العربي والإسلامي في الثقافة الغربية، وبين نوايا الدكتور العبادي من مشروعه في نقل هذه المعرفة إلى اللغة العربية واغناء المشهد الثقافي الوطني بتجارب الآخرين، نجد مما لا شك فيه بان تعريب هذا التراث الإنساني يعد إضاءة هامة للثقافة العربية المعاصرة، لا تقدر قيمته اذا ما استكمل هذا المشروع بترجمته عشرات الكتب والمؤلفات وآداب الرحالات التي كتبت حول الأردن خلال الفترة الممتدة من أواسط القرن الثامن عشر إلى بدايات القرن العشرين، وأعيدت قراءتها بمنظور حضاري مختلف يستوعب انتباه الباحثين والمطلعين نحو حجم الدراسات والبحوث الغربية المعاصرة حول الأردن/ والتي إذا ما أضيفت إلى مؤلفات الرحالة الذين جابوا شرق الأردن، فسنكون أمام معرفة ضخمة وغنية كتبت حول الأرض والإنسان والتاريخ فوق الجغرافيا الأردنية بما يفوق أحيانا الاهتمام ببلدان عربية أخرى مجاورة.

في حين ازدهرت الدراسات الغربية حول الأردن خلال العقود الماضية بما يفوق اهتمام الأردنيين أنفسهم في بعض الحقول المعرفية حول بلادهم، ونشرت مئات الدراسات والبحوث حول المجتمع والدولة المعاصرة في الأردن في العلوم الاجتماعية والانثروبولوجية وفي السياسة والاقتصاد والآثار وأعمال حقلية اثنوغرافية أمضى باحثون غربيون سنوات من اجلها يتعايشون في البيئة المحلية الأردنية. وعلى الرغم من التحفظ الذي نبديه هنا وهناك حول بعض هذه الدراسات والتي انشغلت بصراع الهويات أحيانا واصطناع التواريخ السياسة مرة أخرى، ألا ان جل هذه الدراسات يستحق الاشتغال عليه من قبل المؤسسات الأكاديمية والثقافية الأردنية، ليس بالترجمة وتقديمه للقارىء العربي والأردني، بل بإعادة قراءة هذه المعرفة بمنظور علمي نقدي معاصر.

وبالعودة إلى مشروع العبادي، نجد ثمة ملاحظات هامة في كتب الرحالة الثلاثة التي تتفاوت قيمتها العلمية والتاريخية، الا أنها جديرة بالاهتمام في اتجاهات البحث العلمي وكتابة التاريخ الاجتماعي للأردن في القرنين التاسع عشر والعشرين. وثمة قضايا تتطلب توجيه طلبة الدراسات العليا في الجامعات الأردنية لإعادة بحثها من جديد.

يتناول كتاب (ترسترام) "ارض مؤاب" رحلة تبدأ من القدس إلى الخليل، ومن هناك إلى عين الجدي ثم غور الصافي والكرك والربة وشيحان وصولاً إلى ذيبان وأم الرصاص وخان الزبيب وقصر المشتى وزيزيا والقسطل وماعين والبحر الميت ومادبا، وصولاً إلى عرب البلقاء وعودة إلى حسبان ثم القدس. المهم في هذا الكتاب ليس الوقوف عند مرجعيته التوارتيه التي تبدو في التفاصيل كافة، بل ما يقدمه المؤلف من وصف دقيق لبعض الأحوال الاجتماعية والديمغرافية اهمها حديثه عن الكثافة السكانية وما يصفه من كثرة الناس في منطقة البلقاء والأغوار والسهول، علاوة على ما يقدمه من معلومات عن مهن الناس وأنماط إنتاجهم وعلاقاتهم الإنتاجية، ومعلومات أخرى حول التكوين الجيولوجي للمناطق التي زارها وأحوال المناخ وسطح الأرض، اما المعلومات الأثرية والتاريخية فلا قيمة تذكر لها.

في حين يتناول الباحثان الأميركيان وليام ليبي وفرانكلين هوسكنز في أول بعثة أميركية إلى الأردن تفاصيل رحلتهما إلى البتراء ووادي الأردن التي استمرت مدة شهرين. بدأت الفكرة الأولى للرحلة قبل أكثر من عشرين عاماً على شكل أمنية تحولت إلى منافسة ثم مغامرة لزيارة البتراء وما حولها، ما يمنحنا اليوم ثقة بان حجم الاهتمام بالمواقع الأردنية لم يكن مجرد اكتشاف معاصر، بل يبدو لمن تصفح هذا الكتاب حجم الوعي الغربي المبكر بأهمية هذه الأرض ليس بالبعد الديني فقط بل أيضا بالسياحي والحضاري.

إن النصوص التي كتبها الاستادان الأميركيان قبل أكثر من قرن تصلح أن تكون اليوم مادة ترويجية تستثمرها هيئة تنشيط السياحة او وزارة السياحة في ترويج الأردن سياحياً لما تتضمنه من جمال وصدق وحب للبتراء والأردن. ومن الأمور اللافتة في هذا الكتاب إسهاب المؤلفين في الحديث عن حالة الأمن والاستقرار التي كانت تعيشها البلاد، فلم يجدوا ما يعكر صفوهما ولم تتعرض الرحلة لأية اعتداءات من اللصوص أو قطاع الطرق، ولم تتعرض الرحلة للضياع او التأخر عن برامجها. الأمر اللافت في هذا الكتاب حجم المعلومات الجيولوجية والوصف الجغرافي ودقته في أحيان كثيرة.

أما اهم ما في الكتاب فهو الوصف الذي يقدمه المؤلفان لمدينة البتراء والأحوال البيئية فيها وفي محيطها، والذي يكشف حجم ما يلحق بالمواقع الأثرية اليوم من تخريب ودمار وانتهاكات متواصلة للبيئة التراثية، ومن بين تلك الإشارات حجم الغطاء النباتي في المدينة وما حولها، وحجم التنوع الحيوي للحيوانات والنباتات البرية، ونظم تصريف مياه الأمطار الطبيعية، التي شكلت جميعها نظام حماية طبيعيا على مدى مئات السنين للمواقع الأثرية، وهو ما نفتقده اليوم.

وتذهب رحلة الإنجليزي روبنسون ليز التي وضعها في كتابه "ما وراء الأردن: حياة ومغامرات" نحو عمون وجلعاد والقدس، ثم الى درعا ودمشق، ثم الى أشجار الأرز وجبل الشيخ في لبنان عودة الى عمان والزرقاء. وعلى الرغم من ان معظم المواقع التي زارها الرحالة هي خارج الأردن الا انه سمى كتابه "ما وراء الأردن"، ويشتمل الكتاب على تفصيلات مهمة عن أحوال البدو وعاداتهم ومحاولات لاستكشاف بعض المواقع التاريخية والأثرية، الا ان هذه المحاولات لا تبدو ذات قيمة علمية نظراً لتواضع ثقافته واعتماده على أفكار دينية مسبقة كما يصفه المترجم.

على كل الأحوال، وبعيدا، مرة أخرى، عن نوايا هؤلاء الرحالة والجهات التي أوفدتهم ووفرت لهم التمويل والدعم. فان المعرفة التي تختزنها عشرات كتب الرحلات تعد احد المصادر الهامة لكتابة تاريخ الأردن الحديث في مرحلة تعاني من شح وندرة المصادر حولها، وعلاوة على ذلك فهي مناسبة للفت الانتباه لما يكتب اليوم حول الأردن من مؤلفات وبحوث وتقارير، ولعل مشروع الدكتور العبادي خطوة على هذه الطريق تستحق الشكر والتقدير.

Basim.twissi@alghad.jo 

التعليق