الفتيات الأفغانيات لا يحظين بفرصة التعليم

تم نشره في الثلاثاء 10 كانون الثاني / يناير 2006. 03:00 صباحاً

"وازما" طالبة تدرس في الصف السابع في مدرسة "زارغونا" الثانوية في قندهار، وهو الأمر الذي يجعل منها حالة استثنائية في هذا الإقليم الجنوبي المحافظ الذي يعتبر معقل طالبان. وحسب بعض التقديرات، فإن أقل من واحدة من كل عشر فتيات تحظى بفرصة تحصيل التعليم الابتدائي في هذا الإقليم.

وتقول "وازما"، الفتاة المتدينة البالغة من العمر ست عشرة سنة: "هناك ستون أو سبعون منزلاً في الجوار، لكن هناك فتاة واحدة تذهب إلى المدرسة. ترغب العديدات من صديقاتي في الذهاب إلى المدرسة، لكن آباءهن لا يسمحون لهن بذلك. وفي حالتنا يسخر الجيران مني ومن عائلتي، ويقولون إننا لسنا عائلة محترمة لأنني أذهب إلى المدرسة، لكنني لا أستمع إلى ما يقولون".

ينص الدستور الأفغاني على أن التعليم حق عالمي وإلزامي، ويجب على الآباء إرسال أبنائهم وبناتهم إلى المدرسة حتى الصف الثاني عشر. لكن هذا الحق يظل على أرض الواقع محطاً للسخرية. ويبدو أن الحكومة ماتزال تعوزها القوة إلى تنفيذ فكرة التعليم الإلزامي.

ويقول حياة الله رفيقي، رئيس قسم التعليم في مقاطعة قندهار: "نعم، صحيح أن الدستور يضمن الحق في التعليم، إلا اننا لا نستطيع إرسال الجنود إلى منازل الآباء لنرغمهم على إرسال فتياتهم إلى المدارس. وإذا حاولنا القيام بذلك، فإن أحداً لن يرسل بناته إلى المدارس لان ذلك سيكون بدفع من الحكومة، وسيكون جهداً لا طائل منه".

كانت الفتيات الأفغانيات قد منعن من التعليم في ظل نظام طالبان، حيث تم إغلاق مدارسهن. ومنذ سقوط ذلك النظام قبل أكثر من أربع سنوات، خصصت الحكومة الأموال والجهود لإعادة الفتيات إلى الصفوف. ولا شك في أن عودة الإناث إلى المدارس يظل أمراً مرحباً به كواحد من أهم منجزات الإدارة الجديدة.

ويصر رفيقي على أن قندهار تحرز تقدماً في هذا المجال. وحسب الأرقام التي يقدمها، فإن 70% من الفتيات في عمر المدارس في إقليم العاصمة يذهبن إلى المدارس. ثم يضيف أن ما نسبته 40% من بنات إقليمه يفعلن ذلك أيضاً. ويقول: "ثمة عدد متزايد من الناس باتوا مستعدين للسماح لبناتهم بالذهاب إلى المدارس، أكثر مما كان عليه الأمر في الفترة التي سبقت نظام طالبان. ولدى قسم التعليم برامج يجري بثها عبر التلفاز من أجل الترويج لتعليم الفتيات، وإقناع الآباء بأن المدارس ليست أماكن سيئة. كما ان هناك الكثير من اللاجئين الذين عادوا من باكستان وإيران حيث شاهدوا الكثير من النساء المتعلمات هناك. وهم مستعدون للسماح لبناتهم بالدراسة".

ومن ناحية أخرى، يصر العاملون في مجال التعليم على أن الأرقام المتعلقة بهذا الشأن لا ترتفع. إذ تقول رانغينا حميدي، رئيسة مؤسسة المجتمع المدني الأفغانية، وهي مؤسسة غير حكومية: "إن الحكومة تصرح بهذه الأرقام لتظهر مدى نجاحها، إلا أن الأرقام غير حقيقية".

وحسب تقديرات حميدي، فإنه لا يوجد أكثر من 10% من الفتيات في مقاطعة العاصمة ممن يذهبن إلى المدارس، كما أن الأرقام أقل من ذلك بكثير في المناطق القروية. ويعترف رفيقي من جهته بأن هناك 24 ألف طالبة فقط من بين 130 ألف طالب يؤمون المدارس في قندهار، كما أن  هناك 12 مدرسة فقط للفتيات في الإقليم بأكمله، مقابل 328 مدرسة للصبيان.

يمتلك محمد عمر، البالغ من العمر 35 سنة، تجارة صغيرة لتوزيع الغاز، وعنده سبعة أبناء: ثلاثة صبيان وأربع فتيات. ويعمل أحد أبنائه الذكور معه، بينما يذهب الآخران إلى المدرسة. لكن بناته الأربع يلازمن المنزل. وهو يقول عن  ذلك: "ان المدرسة ليست للفتيات. وأنا لا أسمح لهن بالذهاب، ويجب عليهن البقاء في البيت، لأنهن لو ذهبن إلى المدرسة ورآهن الناس في الشارع، فإن ذلك مجلبة للعار".

ويبدو محمد عمر مقتنعاً تماماً بأن التعليم مناقض لتعاليم الدين الإسلامي، ويضيف: "بعد أن تذهب الفتيات إلى المدرسة فإنهن يعتقدن أن بوسعهن الذهاب إلى أي مكان، وإنهن غير ملزمات بارتداء الحجاب وتغطية وجوههن، وهو ما لا يقبله الإسلام".

أما "عاصفة" البالغة من العمر ثمانية عشر عاماً، فهي واحدة من الفتيات القلائل المحظوظات لأنها تذهب إلى المدرسة، إلا أن عليها تحمل قسوة النظرات التي تتوجه إليها بالإدانة كل يوم. وهي تقول عن ذلك: "الرجال في الشارع يسخرون مني، ويوجهون إلي كلاماً بشعاً. إنهم يقولون لي: "لماذا تذهبين إلى المدرسة؟ إنك فتاة ولا تحتاجين إلى هذا". وتقول إنها قد توسلت عائلتها لأشهر حتى تسمح لها الذهاب إلى المدرسة، وفي النهاية وافقت عائلتها على ذلك.

وأضافت "عاصفة" أن "العديد من صديقاتها توقفن عن الذهاب إلى المدرسة لأنهن لم يستطعن تحمل النظرات المزدرية والملاحظات الساخرة". ولكن، حتى أولئك الذين يحبذون تعليم الفتيات يظلون قلقين إزاء وضع الأمن. وتعتبر قندهار منطقة غير آمنة، ويقول البعض ان الوضع هناك يزداد تردياً باطراد، حيث ترتفع وتيرة التفجيرات والصدامات المسلحة بين المتمردين والقوات المسلحة. ويكتسب نظام طالبان شعبيته هناك بسبب الموجة المتعاظمة من مشاعر عدم الرضا بسبب تواجد القوات الأجنبية في البلاد.

ويقول امان الله: "إنني أحب الدراسة ولدي خمسة أبناء: فتاتان وثلاثة صبيان. وبينما يذهب الصبيان إلى المدرسة فإن الفتيات يلازمن المنزل. إنني لا أستطيع أن أتأكد من أمنهن، ولن أسمح بأن يحصل لهن شيء ما في الشارع أو المدرسة. إنني أعرف أن الاشخاص المتعلمين جيدون وأريد تعليم أبنائي، ولكن ليس الآن. إن بناتي يتوسلنني كل يوم حتى أسمح لهن بالذهاب إلى المدرسة، وأنا أقول إنه إذا تحسن الوضع الأمني، فإني أعدكن بأن أسمح بذلك".

لكن هذا الوعد قد لا يتحقق قريباً. ففي السنة الماضية، تم إغلاق 150 مدرسة في المقاطعة حسبما أفاد به أحد العاملين في قطاع التعليم من إحدى الوكالات غير الحكومية، والذي طلب عدم ذكر اسمه. وقد تم قتل مدير إحدى المدارس وتهديد مدرسين آخرين. وفي العديد من الأقاليم تم توزيع مناشير في الليل سراً، تحذر الآباء من مغبة إرسال بناتهم إلى المدارس، وتهدد أولئك الذين لا يلتزمون بالإنذار باستعمال العنف ضدهم. كما جرى حرق سبع مدارس على الأقل. وفي مقاطعة "معروف" تم إغلاق المدارس كافة في الأشهر التسعة الماضية بعد حملات التخويف. بينما يتم فتح المدارس في المقاطعات الأخرى بشكل متقطع اعتماداً على الوضع الأمني".

ومع أن مناهضة التعليم تعزى إلى نظام طالبان، إلا أن حميدي تقول: "إن التقليد المناهض للتعليم يعود إلى فترة ما قبل سيطرة المجموعات الأصولية". كذلك، تقول حميدي التي ترعرعت وتعلمت في الولايات المتحدة الأميركية: "عندما كنت وعائلتي لاجئين في كيتا في باكستان قبل عشرين عاماً، كنا قد تلقينا نفس النوع من التهديدات مما اضطر والدي إلى إخراجنا من المدرسة ولم يكن وقتها نظام طالبان".

ويرى المراقبون أن الحل الوحيد المطروح أمام الحكومة هو أن تضطلع بدور أكثر جدية بشأن تعليم الفتيات، وأن تعمل على دعم جهود المسؤولين عن هذا القطاع. كما إن هناك حاجة إلى تضافر جهود اختصاصيي التعليم والوعاظ الدينيين إذا ما أريد السير قدماً بشأن تعليم الفتيات. لكن المراقبين يقولون أيضاً إن الحكومة لا يجب أن تتبنى حلولاً تتناقض مع العادات والأعراف، والتي يكون من شأنها إثارة الحساسيات. ويقول احد العاملين مع إحدى الوكالات غير الحكومية، والذي رفض التعريف بنفسه: "إن الحكومة لا تهتم بتعليم الفتيات في الوقت الراهن. وأنا أعتقد أن باستطاعتها فتح المدارس لو أرادت ذلك".

خاص بـ"الغد".

خدمة كي آر تي الصحافية

التعليق