إسرائيل والانتخابات الفلسطينية

تم نشره في الخميس 5 كانون الثاني / يناير 2006. 03:00 صباحاً

   لم يعد يخفى على أحد أن إجراء انتخابات فلسطينية في الخامس والعشرين من الشهر الحالي يشكل ضربة قوية لاستراتيجية إسرائيل التي لا تريد أن يكون هناك كيان فلسطيني ديمقراطي يضم كافة القوى السياسية الفلسطينية ويختلف عن الديمقراطية الإثنية المعمول بها في إسرائيل منذ إقامة الدولة عام 1948.

   فالعالم سيقارن عندها بين ديمقراطية فلسطينية راقية غير إقصائية مع ديمقراطية القبيلة في إسرائيل التي تتبجح بها إسرائيل وتدعي بأنها الديمقراطية الوحيدة في صحراء من الديكتاتوريات.

   والأمر أكثر من ذلك، فالانتخابات التشريعية هي نتاج عملية أوسلو التي طرحتها إسرائيل جانبا والتي يبدو أن حماس في طريقها للاستفادة من اتفاقية طالما عارضتها ولم تدخر جهدا لإحباطها. وبهذا المعنى فإن الانتخابات التي تفضي الى أن تصبح حماس ممثلة في المجالس المنتخبة وجزءا أساسيا من النظام السياسي لها، لا تعبر عن مصلحة إسرائيلية تستند في الأساس على "شيطنة" جزء كبير من الشعب الفلسطيني.

   بعبارة أخرى، فإن ظهور شريك فلسطيني واضح المعالم هو ضربة قاصمة لإستراتيجية اسرائيل الجديدة التي تنجح فقط إذا ما غيّب ذلك الشريك. من هنا نفهم محاولة إسرائيل المستمرة لإفشال الانتخابات الفلسطينية أو على الأقل لمنع فصيل مهم من الفصائل الفلسطينية في المشاركة حتى تبقى الأزمات الفلسطينية الداخلية دون آليات حلول سلمية.

   وتستخدم اسرائيل تبريرات تكاد لا تقنع الاسرائيليين أنفسهم فما بالك بالآخرين. يقول يوفال ديسكين، رئيس الشين بيت الاسرائيلي، بأن الانتخابات في حال إجرائها هذا الشهر ستكون مشكلة لإسرائيل وبخاصة إذا ما فازت حماس بها وهو أمر مستبعد على آية حال. والسبب أمني على لسان ديسكين؛ إذ تستطيع حماس عندها زرع نشطائها في أجهزة الأمن الفلسطينية، الأمر الذي يفشل السلطة إذا ما أرادت وقف الهجمات الفلسطينية، وكأن الفلسطينيين يشنون الهجمات ليل نهار دون استفزاز اسرائيلي! ويضيف: أن حماس قد تدخل تعديلات على المناهج الفلسطينية بشكل يضر بإسرائيل.

   يتناسى ديسكين صناعة الكراهية المبرمجة في المناهج الدينية في اسرائيل، وكيف انها تنتج ثقافة معادية للسلام مع الفلسطينيين. ويبدو أن ديسكين يريد الفلسطينيين أن يعلموا أطفالهم النشيد الاسرائيلي "هتكيفا"!

وتأخذ اسرائيل على محمل الجد نتائج الإنتخابات الفلسطينية وتداعياتها الى درجة انها أقامت لجنة خاصة برئاسة مستشار شارون دوف فايسغلاس لمناقشة رد اسرائيل القادم.

   نتيجة المناقشات الرسمية هي ان حماس لن تفوز بالانتخابات بأكثر من 30% من المقاعد. ومع ذلك يجب أن لا تشارك حماس حتى تبقى خارج الأطر الفلسطينية الرسمية بحجة أنها فصيل "إرهابي". وتعمل اسرائيل على تعطيل الانتخابات حتى تدفع الرئيس الفلسطيني إلى تأجيلها، وذلك لإذكاء الصراع الداخلي الفلسطيني. فقد توعدت اسرائيل بمنع إجراء الانتخابات في القدس الشرقية طالما تشارك حماس في الانتخابات. وبهذا الصدد قامت قبل عدة أيام بتفريق اجتماع انتخابي لقائمة الطريق الثالث التي يتزعمها سلام فياض عندما قامت المرشحة حنان عشراوي بالاجتماع مع الفلسطينيين في منطقة باب العامود في القدس الشرقية.

   الرئيس الفلسطيني في موقف لا يحسد عليه. فحماس تريد الانتخابات في موعدها حتى بدون القدس، وذلك من أجل تعظيم مكتسباتها، وهو لا يريد إجراء إنتخابات من دون مشاركة أهالي القدس والبالغ عددهم 220 ألف مواطن.

   المخرج صعب في ظل اتفاق أميركي وحتى أوروبي مع الموقف الاسرائيلي المتعلق بضرورة منع مشاركة حماس. ومع ان موعد الانتخابات هو غير مقدس الا أن تأجيل الانتخابات هو سيناريو لا يخدم مصداقية الرئيس ابومازن ولا يخدم فتح. وفي حال التأجيل فالمستفيد الأول هو اسرائيل إذ ستتمكن من خلق أزمة فلسطينية داخلية، وترتاح لأشهر من ضرورة التفاوض مع الفلسطينيين.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق