جميل النمري

نودع العام على هذا الأمل، وكل عام وأنتم بخير

تم نشره في السبت 31 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

كان عاما حافلا... لكن هل ثمة عام غير حافل؟!

ودّعنا العام السابق بكارثة تسونامي التي قتلت 230 ألفا، وشّردت مليون انسان على امتداد الشواطئ الآسيوية. واستمر العام الجديد مع كوارث كاترينا والأعاصير التي اجتاحت الاميركيتين، والزلازل التي ضربت أماكن عدّة كان أقساها في كشمير.

الطبيعة وفرت منطقتنا بمآسيها، فتولتها السياسة. عام آخر من الدم والدمار في العراق، بلغ الذروة في كارثة التدافع فوق جسر بسبب دعاية عن قنبلة أثناء الاحتفالات الشيعية، ما أودى بحياة ألف شخص، أغلبهم من النساء والأطفال. أما التفجيرات الوحشية خارج العراق، فقد تقاسمتها هذا العام على التوالي، لندن وشرم الشيخ وعمّان.

وظهر نوع آخر من التفجيرات ليس عشوائيا أو أعمى أبدا، بل انتقائي جدا، هو ذاك الذي أودى بحياة الرئيس رفيق الحريري، وتحول إلى فاتحة لمسلسل اغتيالات، كان آخرها جريمة قتل النائب والصحافي جبران تويني. وزعيم سياسي آخر لم نعرف أبدا إذا ما كان ضحية حادث مدبر أم طبيعي، هو جون غارنغ، زعيم التمرد في جنوب السودان؛ ومن أجله ذهب العشرات ضحايا مصادمات وأعمال شغب في الخرطوم.

وهكذا، إذ يتذكر المرء هذا العام في يومه الأخير، فالصورة حافلة بالعنف والكوارث والأحداث المأساوية. وأمس، كان لدينا كارثة انهيار صخري قضى على عشرات العائلات في اليمن. وفضّ الشرطة المصريّة لاعتصام لاجئين أفضى إلى مقتل 20 سودانيا.

مع ذلك، لا نجزم أن هذا العام كان مأساويا أكثر من سوابقه. ومن جهة مقابلة، فإن محصلة التطورات السياسية لم تتجه نحو الأسوأ؛ وحسب تقرير يقيس تقدم الحريات العامة (يصدر عن مؤسسة فريدم هاوس)، فإن العام الحالي هو الأفضل منذ بدء صدور التقرير في العام 1975. وبالتدقيق، نجد أن هذا التطور ينطبق على منطقتنا. ففي السودان، ورغم مشكلة دارفور، تم توقيع اتفاق السلام النهائي مع الجنوبيين، وتشكيل حكومة جديدة بمشاركتهم، وبدء التحول نحو نظام سياسي ديمقراطي تعددي. وفي مصر، بدأ مخاض ديمقراطي جديد، ورغم "البلطجة الانتخابية" في بعض الدوائر، دخل 88 نائبا من الإخوان المسلمين البرلمان. وفي لبنان، فإن الجريمة المأساوية لاغتيال الحريري أعطت انتفاضة 14 آذار (انتفاضة الاستقلال الثاني) التي أدت، بدعم دولي، إلى انسحاب سورية، وانتخابات جديدة حرّة. ومع أن اللبنانيين مازالوا يدفعون الثمن من دم رموزهم القيادية، وهناك شدّ حبل سياسي عسير مع قوى مثل حزب الله، فإن لبنان لن يعود إلى الوراء، بل إن استحقاق التغيير يدق بقوّة أبواب سورية، والنظام هناك يحسن صنعا كلما بكّر في استيعاب ضرورات التغيير. وفي فلسطين، انخفض منسوب العنف وصمدت الهدنة رغم كل شيء، وانسحبت اسرائيل من غزّة، وتقلص الليكود إلى حزب صغير مع خروج شارون إلى تشكيل وسطي جديد مع بيرس، ويتهيأ الفلسطينيون لانتخابات تشريعية بمشاركة "حماس" وكل الفصائل، في تطور إيجابي عميق لبناء الكيان السياسي الفلسطيني. وفي الخليج، تسجل نقاط من التقدم نحو إنشاء مجالس برلمانية. وفي الكويت، فازت المرأة بحق الترشح والانتخاب، وفي السعودية بدأ مخاض يراجع ثقافة الانغلاق والتزمت الأصولي المسؤولة عن توليد التيارات الظلامية التكفيرية. وأخيرا، في العراق تنفتح فسحة للتفاؤل بالتطورات السياسية، ورؤية ضوء في آخر النفق رغم أن حمام الدمّ لم يتوقف بعد. فالولايات المتحدّة سلّمت ضمنا بهزيمة خط أخرق قادته العصابة الليكودية التي خرج عدد من رموزها على التوالي من السلطة، وشارك السنّة بقوّة في الانتخابات، وهناك استجابة لمعالجة قضيّة التزوير بمراقبين دوليين، وثمة توجه نحو حكومة وحدة وطنية. وكل ذلك ينطلق من إحساس أن البديل الوحيد للعملية السياسية التوافقية هو الحرب الأهلية.

وننتهي بالأردن، لنقول إن مرحلة المراوحة والتردد بشأن الإصلاح السياسي قد انتهت بتشكيل حكومة جديدة، تقدمت بالتزامات محددة لإنجاز رزمة القوانين ذات الصلة بالتنمية السياسية. وأول من أمس، كان وزير التنمية السياسية يحاور عددا من الإعلاميين، في أمسية استضافها في بيته الكريم الأمين العام للوزارة بشير الرواشدة، وكرر الإعلاميون ملاحظاتهم حول كثرة الكلام وقلة الإنجاز في مجال الإصلاح السياسي، فقال الوزير: لنفكر هذه المرّة إن عدم الإنجاز كان درسا مفيدا، أظهر الضرورة الحاسمة للإنجاز.

نودع السنة على هذا الأمل، وكل عام وأنتم بخير.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق