رؤية رئيس إيران الدينية والسياسية

تم نشره في الخميس 29 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

   مع اقتراب جولة جديدة من المفاوضات بشأن برنامج إيران النووي، لا نستطيع أن نغفل الأهمية المؤكدة للتعرف على رئيس إيران الجديد محمود أحمدي نجاد وفهم أبعاد شخصيته على نحو واضح. وربما كان أفضل مكان نبدأ منه يتمثل في اللحظة التي لمح فيها العالم لأول مرة شخصية أحمدي نجاد وبرنامجه المتشدد.

   حين خاطب الرئيس أحمدي نجاد الأمم المتحدة في نيويورك في شهر سبتمبر الماضي، شعر على نحو مفاجئ أنه محاط بالنور. وطبقاً لتعبيره فلم تكن أنوار المسرح، بل كان نورا من السماء. لقد روى أحمدي نجاد خبرته الأخروية هذه في لقاء مسجل على شريط فيديو جمعه بواحد من آيات الله البارزين في طهران. ولقد نشر أحد المواقع المتشددة المؤيدة للنظام (baztab.com) نص تعليقاته ومقاطع من شريط الفيديو.

   وطبقاً للنص فقد قال أحمدي نجاد إن أحد الأعضاء من حاشيته المصاحبة له في اجتماع الأمم المتحدة هو الذي نبهه أولاً لذلك الضوء، حيث قال له: "حين بدأت بعبارة "بسم الله" أبصرت نوراً قادماً، ثم أحاط بك وحماك حتى نهاية كلمتك". ولقد أكد أحمدي نجاد شعوره بحضرة مماثلة، حيث ذكر في حديثه إلى آية الله جافادي آمولي: "لقد شعرت أنا أيضاً بذلك، حتى أن جو المكان تغير فجأة، ولمدة 27 أو 28 دقيقة ظل زعماء العالم شاخصة أبصارهم وآذانهم صاغية لتلقي رسالة الجمهورية الإسلامية".

   ربما كان بوسعنا أن نصرف النظر عن "الرؤيا" التي تنزلت على أحمدي نجاد في الأمم المتحدة باعتبارها موقفاً سياسياً لولا سلسلة من التصريحات والتصرفات المماثلة التي توحي باعتقاده الفعلي بأن القدر اختاره شخصياً لجلب نهاية العالم من خلال تمهيد الطريق لعودة المهدي المنتظر الذي يؤمن به الشيعة من المسلمين. وإذا ما علمنا أن إيران مستمرة في مساعيها الرامية إلى تنفيذ برنامجها النووي المثير للشبهات، والذي قد يقرب الجمهورية الإسلامية إلى حد خطير من تصنيع السلاح النووي، فلابد وأن يكون مثل هذا الزعيم ذي الرؤى المهدية مثاراً للقلق والانزعاج. وفي النهاية، فهو نفس الرجل الذي تعهد مؤخراً باستخدام قوة إيران الجديدة في "محو إسرائيل من على الخريطة" و"تدمير أميركا".

   في كلمته التي ألقاها في السادس عشر من نوفمبر على كبار رجال الدين الذين حضروا إلى طهران من كل أنحاء إيران للاستماع إليه، قال الرئيس الجديد إن المهمة الرئيسية لحكومته تتلخص في "تمهيد الطريق للعودة المجيدة للإمام المهدي (الذي نسأل الله أن يعجل بعودته)". كان الإمام الثاني عشر لطائفة الشيعة قد اختفى وهو طفل في عام 941، ولقد ظل الشيعة في انتظار عودته إلى الظهور منذ ذلك الوقت، على اعتقاد منهم بأنه حين يعود سيحكم الأرض لسبعة أعوام قبل أن تقوم القيامة وينتهي العالم.

   ومن أجل الإعداد لظهور المهدي من جديد يقول أحمدي نجاد: "يتعين على إيران أن تتحول إلى مجتمع إسلامي قوي ومتقدم ونموذجي. ويتعين على الإيرانيين أن يمتنعوا عن الركون إلى أي مدرسة غربية من مدارس الفكر، وأن يعزفوا عن الحياة المرفهة والأشكال الأخرى من الإسراف".

بعد مرور ثلاثة أشهر من تولي أحمدي نجاد منصب الرئاسة، أصبحت وجهات نظره بشأن الإمام الثاني عشر محل نقاش واسع النطاق في طهران. وتقول إحدى الشائعات إن أحمدي نجاد قام أثناء توليه منصبه كمحافظ لمدينة طهران بإعادة تخطيط المدينة لكي تليق بعودة الإمام.

   في الأسابيع الأخيرة، نفى معاونو أحمدي نجاد شائعة أخرى تقول إنه أمر أعضاء مجلس وزرائه بتدوين عهد ولاء مع الإمام الثاني عشر وإلقائه إلى قعر بئر مياه بالقرب من مدينة "قم" المقدسة، حيث يظن بعض الشيعة أن الأمام يختبئ هناك. ولقد أشار أولئك الذين صدقوا الشائعة إلى قرار سابق صادر عن مجلس الوزراء بتخصيص 17 مليون دولار أميركي لتجديد مسجد جامكران حيث ظل الأتباع المتعصبون للإمام الثاني عشر يُـصَـلّون لقرون.

   وعلى نحو مماثل، ذكرت التقارير التي أوردتها المنافذ الإعلامية الحكومية في طهران، عن لسان أحمدي نجاد أنه أبلغ مسؤولي النظام أن الإمام المختبئ سوف يعود إلى الظهور خلال عامين. ولقد كان ذلك التصريح أكثر من طاقة احتمال المشرع الإيراني أكبر علامي، الذي شكك علناً في رأي أحمدي نجاد قائلاً: "حتى أكثر الشخصيات الإسلامية قداسة لم تتجرأ قط على التلفظ بمثل هذه المزاعم".

   بينما يبجل العديد من الشيعة المسلمين الإمام الثاني عشر، هناك جمعية كانت سرية فيما سبق، مؤلفة من رجال دين من ذوي النفوذ، تتقدم الآن وعلى نحو علني بالنصيحة إلى الرئيس الجديد، وتعمل على تحويل هذه المعتقدات إلى سياسة حكومية. والحقيقة أن جمعية "حجتي" تحت زعامة آية الله مصباح يازدي الذي كثيراً ما يظهر بصحبة أحمدي نجاد، ينظر إليها العديد من أهل الشيعة باعتبارها جماعة متطرفة مجنونة. وأثناء السنوات الأولى من الثورة الإسلامية، حتى آية الله رحمة الله خميني كان قد اعتبر أن معتقدات أهل هذه الجماعة مغرقة في التطرف فأمر بإبعادهم، ليعملوا كحركة سرية تحت الأرض.

   وكبقية الأتباع المخلصين المتعصبين للإمام الثاني عشر، يؤمن أعضاء جمعية "حجتي" بأن الإمام لن يظهر إلا في أعقاب بلية أو محنة كبرى. وهذا الاعتقاد قريب من بعض النواحي من مبدأ لينين الذي يؤكد أن تفاقم أوضاع وأحوال المجتمع سوءاً من شأنه أن يعجل بقيام الثورة، حيث يعتقد أعضاء تلك الجماعة أن عودة المهدي لن تكون إلا من خلال العنف المتصاعد والصراع والقمع.

   ومنذ توليه منصب الرئاسة في أغسطس الماضي، بادر أحمدي نجاد إلى تعيين أتباع جمعية "حجتي" في مجلس وزرائه وفي كل مكان من إدارته البيروقراطية. والآن نرى وزارة الإعلام والأمن التي كان الرئيس السابق محمد خاتمي يتعمد تهميش دورها إلى حد كبير، وقد عادت إلى البروز من جديد باعتبارها قوة قمعية عاتية، تستخدم عملاء يرتدون ملابس عادية، فتحالفت مع "الباسيج" في البرلمان ومع جماعات أمنية غير حكومية، بهدف اتخاذ إجراءات حاسمة ضد أي معارضة محتملة للنظام.

   مع استعداد العالم لمواجهة ذلك النظام الإيراني الذي يصر على تحدي الهيئة الدولية للطاقة الذرية فيما يتصل ببرنامجه النووي، يتعين علينا أن ننصت إلى كل ما يتلفظ به قادة إيران بينما نراقب أفعالهم. ذلك أن هذه التركيبة المؤلفة من متعصب ديني وأسلحة نووية لهي في الواقع تركيبة خطيرة لا يسع العالم أن يتساهل معها.

كينيث ر. تيمرمان المدير التنفيذي لمؤسسة "من أجل الديمقراطية في إيران" www.iran.org، ومؤلف كتاب "العد التنازلي إلى الأزمة: المواجهة النووية القادمة مع إيران".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق