عقلية الحرب تقرر أجندة الإنتخابات الإسرائيلية

تم نشره في الخميس 29 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

   حين فاز رئيس اتحاد النقابات الاسرائيلية، عمير بيرتس، بزعامة حزب "العمل"، في التاسع من الشهر الماضي تشرين الثاني (نوفمبر)، هازماً زعيم الحزب التاريخي شمعون بيرس، استيقظت اسرائيل على وهم وكأنه بعد هذا الفوز سيرتقي الملف الاقتصادي الاجتماعي الى رأس جدول اعمال الأجندة السياسية في اسرائيل، وسيطغى هذا الموضوع على الحملة الانتخابية البرلمانية الجارية.

   وفي الاسابيع الثلاثة الاولى، قفز حزب "العمل" في استطلاعات الرأي بنسبة 33% مقارنة مع قوته البرلمانية الحالية، لتتنبأ له الاستطلاعات حصوله على 29 مقعدا، بدلا من 21 مقعدا اليوم، ولكن في هذه الايام ظهرت الصورة جلية أكثر لتتنبأ له هبوطه الى 19 مقعدا، وحتى 15 مقعدا، والأخير هو احتمال غير واقعي.

   فعلى الرغم من ان اسرائيل تعاني من أزمة اقتصادية مزمنة منذ عشرات السنين، إلا ان القضية الاقتصادية لم تكن حاسمة في أي من معارك اسرائيل الانتخابية البرلمانية الست عشرة الماضية، ولا في الحملة الجارية كما يبدو واضحا، رغم ان استطلاعات الرأي، التي تسأل المواطن عن الموضوع الأهم بالنسبة له، تفيد ان الملف الاقتصادي الاجتماعي هو الأكثر سخونة، ولكن حين يُسأل نفسه لمن سيصوّت فإنه يمنح صوته لمن يضع الملف "الأمني"، بمعنى الحرب والاحتلال، على رأس اولويات اجندته الانتخابية.

   فقد أشار استطلاع لجمعية "لتيت"، التي تختص بالمساعدات الاجتماعية في اسرائيل ان 29% من الجمهور في اسرائيل يرى ان الموضوع الأهم بالنسبة له هو الجانب الاقتصادي الاجتماعي، يليه ملف التربية والتعليم بنسبة 21%، ثم في الدرجة الثالثة الملف الأمني، بحصوله على نسبة 15%، فعلى مستوى الفرد في اسرائيل فإن هذا الاستطلاع أقرب للحقيقة، وهنا يبرز التناقض الكبير، لأنه في لحظة الحسم فإن المواطن نفسه يتأثر من سياسة التخويف والترهيب التي تتبعها المؤسسة الحاكمة في اسرائيل مستعينة بالاعلام القوي، ويلجأ الى "رمز القوة"، أي الجنرال الذي يدّعي انه يضمن له "الأمان".

   ولهذا فإننا في هذه الفترة نسمع ونقرأ الكثير عما يسمى بـ "التهديدات العسكرية على اسرائيل"، من باب بث سياسة ترهيب المواطن العادي. ولربما ان اكثر تعبير عن ذلك شاهدناه في برنامج تلفزيوني اسرائيلي ناقد ساخر من كثرة الحديث الاسرائيلي عن "التهديد النووي الايراني"، وكأن هذا التهديد أصبح يؤثر على علاقة المرأة بالرجل والاب بابنه. لكن الجملة التعليقية التي تختتم هذا المقطع تقول: "في صبيحة 29 آذار (مارس) سينتهي التهديد الايراني"، أي مع ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية الاسرائيلية.

   وهذه الظاهرة تستفحل كلما ازداد التصعيد العسكري، فموطي موريل، احد مستشاري زعيم "العمل" عمير بيرتس، قال بوضوح في حديث للاذاعة الاسرائيلية: إن شارون يستخدم الاغتيالات (ضد الفلسطينيين) لاغراض انتخابية. واعتبر ان شارون يُقدم على ضربات عسكرية لابعاد الجمهور عن الانشغال بقضاياه الحياتية اليومية والأزمة الاقتصادية التي يعاني منها.

   وسارع عمير بيرتس للتحفظ على تصريحات مستشاره معتبرا انها تمثل رأيا شخصيا. وإن كان موريل قد اصاب الحقيقة إلا انه مسّ "أقدس البقرات المقدسة" في اسرائيل، وجوبه بتصريحات استنكار من كل حدب وصوب. لكن هذه الصرخة لم تصل الى مسامع الجمهور الذي استمر في نزع ثقته بزعيم حزب "العمل"، وكل اسبوع ينبئ بتراجع اضافي بقوة حزب "العمل".

   وهنا تجدر الاشارة الى ان تراجع حزب العمل في الاستطلاعات يعود بالاساس الى التصعيد الأمني. ولكن هناك قسطا محدودا لأزمة القيادة التي غرق فيها مجددا مع انتخاب بيرتس، وحتى في هذه الأزمة فإن للملف الأمني حضورا، باعتبار ان بيرتس استبعد كبار جنرالات الاحتياط عن واجهة الحزب وعلى رأسهم رئيس الحكومة السابق أيهود براك.

   إن دولة تضع على رأس اولوياتها قضاياها الداخلية والقضية الاقتصادية الاجتماعية، هي دولة طبيعية قائمة لخدمة مواطنيها. واسرائيل اليوم هي أبعد ما يكون عن هذه الصفة، لأنه طالما استمر الاحتلال وواصلت عقلية الحرب والاستيطان سيطرتها على سدة الحكم في اسرائيل، فإنها غير معنية بالتحرر من الهاجس الأمني الذي تبتدعه وتفرضه على نفسها.

   إن دولة كاسرائيل تصنف نفسها ضمن الدول المتطورة في العالم، ويعيش اكثر من ربع مواطنيها تحت خط الفقر، ودائرة الجوع اليومي تتسع وتطال مئات آلاف المواطنين، كان عليها ان تشهد منذ فترة طويلة ثورة خبز، ولكن ثورة كهذه ستبقى صامتة في الغرف المغلقة وستطغى عليها اصوات قرقعة طبول الحرب التي لم تهدأ منذ 58 عاما.

* صحافي فلسطيني وكاتب سياسي مقيم في الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق