الانتخابات العراقية نجاح لمن؟!

تم نشره في الأحد 25 كانون الأول / ديسمبر 2005. 02:00 صباحاً

   في انتظار اعلان النتائج النهائية للانتخابات الالعراقية، لا يبدو طبيعياً ذلك الافراط الأميركي في التفاؤل الذي يذهب الى حدّ اعتبار أن الوضع في البلد تبدّل جذرياً نحو الأفضل. صحيح أن هذه الانتخابات شكّلت خطوة كبيرة الى الأمام أظهرت مرة اخرى مدى استعداد الشعب العراقي لتحدي الارهاب والارهابيين والتوجه الى صناديق الاقتراع على الرغم من كل العوائق.

   لكن الصحيح أيضاً أن الانتخابات أظهرت الى أي حد يبدو الشعب العراقي منقسماً على نفسه الى درجة يصعب معها الحديث في المستقبل المنظور عن مجتمع عراقي موحّد. أكثر من ذلك، كشفت الانتخابات كم بات صعباً اعادة تركيب معادلة أسمها العراق الموحّد.

   أظهرت الانتخابات بوضوح أن الشعب العراقي بات منقسماً على نفسه انقساماً عميقاً على أسس طائفية وعرقية. وباتت "وحدة العراق" مطروحة على نحو جدّي مستقبلاً: كيف يمكن المحافظة عليها بغض النظر عن التفاؤل الأميركي وهو تفاؤل في غير محلّه، اللهمّ الا اذا وضعنا جانباً مصلحة ادارة الرئيس بوش الابن التي سارعت الى التمجيد بالانتخابات من منطلق أنها انتصار عظيم ليس بعده انتصار.

   وكان أن الرئيس الأميركي تحدّث ثلاث مرات في أسبوع واحد عن الانتخابات العراقية مشدّدا على أنها منعطف على صعيد مستقبل البلد نفسه والمنطقة. لكن الأحداث ما لبثت أن كذبت توقعات الرئيس الأميركي بعدما تبين أن هناك شكوى حقيقية لدى اهل السنة العرب من العملية الانتخابية في مجملها. وترتدي هذه الشكوى أهمية خاصة على صعيدين. يتمثل الأول في أنه صار من حق أهل السنة، ومعهم أنصار اللائحة التي يتزعمّها الدكتور إياد علاّوي التي تتجاوز الانقسامات المذهبية، الشكوى بعدما شاركوا في الانتخابات بدل مقاطعتها. أما الصعيد الثاني فيتمثل في استمرار الارهاب الذي يمارس باسم المقاومة عبر التنظيمات التي تؤمن بالفكر التكفيري أحياناً وباسم ميليشيات تابعة لأحزاب شيعية عراقية في أحيان أخرى. وهذا يعني أن الانتخابات لم توفر مزيدا من الأمن والأمان والاطمئنان للعراقيين بغض النظر عن المذهب الذي ينتمون اليه.

   بكل بساطة، شكّلت الانتخابات مصدر ارتياح لادارة بوش الابن التي استطاعت استخدامها على الصعيد الداخلي وتوظيفها في عملية رفع شعبية الرئيس. وهذا الارتفاع في الشعبية يحدث للمرة الأولى منذ شهور عدة. اضافة الى ذلك، ارسلت الادارة نائب الرئيس ديك تشيني ثم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد الى بغداد في إشارة واضحة الى أنها كانت على حق في خوض حرب العراق من منطلق أيديولوجي. على الرغم من اعتراف الرئيس نفسه بأن التقارير التي أعدتها أجهزة الأستخبارات الأميركية عن امتلاك نظام صدّام حسين أسلحة للدمار الشامل لم تكن صحيحة.

   يعتبر نجاح الانتخابات، أقله من الناحية الشكلية، انتصاراً للادارة الأميركية يسمح لها بتجاوز أي اعتبار آخر بما في ذلك تلفيق الاتهامات لنظام صدّام الذي يستأهل أصلاً التخلص منه بصفة كونه نظام "المقابر الجماعية". لكن ما يتبين من التجربة أن ما تعتبره أميركا نجاحاً لها قد لا يعني في الضرورة نجاحاً للعراق والعراقيين.

   تكمن المفارقة بأن النجاح الأميركي في العراق قد لا يعني بالضرورة أن العراق والعراقيين في وضع أفضل. كيف يمكن أن يحصل ذلك فيما الانتخابات لم تأت بأي جواب واضح في شأن مستقبل العراق؟ والأجوبة المطلوبة مرتبطة الى حد كبير بمدى النفوذ الذي ستمارسه ايران على البلد ومدى قدرة السلطات الجديدة على إدارة البلاد بطريقة صحيحة، وفي الحد من الإرهاب الذي تمارسه التنظيمات التكفيرية التي تنتمي الى "القاعدة" وأشباه "القاعدة" وهي تنظيمات تلقى للأسف الشديد دعماً من دول وقوى مجاورة للعراق، تظن أن في استطاعتها ابتزاز الإدارة الأميركية بهذه الطريقة.

   الى الآن، كانت النتيجة الإيجابية الوحيدة للعملية العسكرية الأميركية - في العراق- بالتخلص من نظام صدام حسين العائلي- البعثي. ما حصل بعد ذلك كان  بمثابة دخول في المجهول، هذا إذا وضعنا جانباً ان تفكيك الدولة العراقية غيّر الخريطة السياسية للشرق الأوسط في انتظار تغيير الخريطة الجغرافية للمنطقة.

   والثابت حتى اللحظة، في حال تبين أن الأحزاب الدينية ستهيمن على البرلمان العراقي الجديد الذي تمتد ولايته إلى أربع سنوات. الحرب الأهلية التي دخلتها البلد لا تزال في بدايتها ومن المبكر الحديث عن مخارج، اللهم الاّ اذا استطاعت الأحزاب الدينية فرض هيمنتها على البلد بالطريقة نفسها التي فرض فيها رجال الدين هيمنتهم على إيران. أين مشكلة الإدارة الأميركية في ذلك ما دامت شعبية بوش الابن عادت الى الارتفاع بحجة أن انتخابات جرت في العراق وما دام لا يوجد، أقله الى الآن، تهديد مباشر لحقول النفط في البلد. إنها حقول ستكون قابلة للتطوير ومزيد من الانتاج بغض النظر عمّا أذا كان العراق في حرب أهلية أم لا، بغض النظر عما اذا كان سيبقى العراق موحّدا، بغض النظر عما إذا كان سيبقى له بعض الارتباط بالعرب وما بقي من عروبة أم لا. بغض النظر عما إذا كان وضع العراق والعراقيين أفضل مما كان في الماضي.

   ما فعله نظام البعث طوال ثلاثة عقود كان تفكيك النسيج الذي ميّز المجتمع العراقي منذ قيام الدولة مطلع العشرينيات من القرن الماضي. وما يخشى أن يكرسه الاحتلال الأميركي. وكل ما تلاه من تطورات داخلية، هو تكريس ما صنعه البعث في اتجاه الأسوأ. أنها مخاوف في محلها في حال لم ينبثق عن الانتخابات تكتل نيابي قوي يضع العراق فوق مصلحة الطائفة والمذهب والقومية.

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق