نعمة الترميج

تم نشره في السبت 10 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

في المصطلحات المتداولة شعبيا، فإن "الترميج" يعني إخراج الشخص من وظيفته، سواء أكان خروجا طبيعيا بحكم السن وبلوغ التقاعد، أم أي اعتبارات اخرى.

وتوافقا مع الشعار والمقولة الغنائية "نعمة النسيان"، فإن الترميج واخراج بعضهم من مواقعهم الوظيفية نعمة ليس لهم وانما لآخرين، وبخاصة في تلك الطبقات من اصحاب المواقع الذين يعيشون وهما خلال توليهم مواقعهم، فيعتقد احدهم انه محور الكون وانه ملك الدنيا، وان الامور ستبقى كما هي حتى يغادر سيارة الحكومة الى الدار الاخرة.

وفي مجتمعاتنا اشخاص يجسدون شخصية (الرجل الاخر) ما بين الوظيفة وخارجها؛ فالسلوكات تختلف، ونسب الابتعاد عن الناس والكِبر والاستغناء عن كل من حولهم ترتفع الى مستويات قياسية، ولا يتورعون عن ممارسة كل ما يريدون لأنهم مسؤولون! اما حين تنقلب الامور، وتخرج قرارات التقاعد ويخلع كل منهم لقبه وكرسيه وسيارة الدولة، فإنه يحاول العودة الى صفوف الناس، وبخاصة ان الاعراف -وربما طبيعة الاشياء- تقول ان هواتف هؤلاء تجف عن الرنين الا في الحدود الدنيا، وعبارة "الرقم الخاص" التي كانت تظهر عند اتصالهم يتم الاستغناء عنها كليا او جزئيا، إذ إن الحاجة ملحة الى "استمطار" الاتصالات والضيوف، فضلا عن الدعوات والعزايم.

ونعمة الترميج فرصة لهؤلاء لزيارة مدارس ابنائهم، ومحلات الخضراوات والفواكه، بعد أن كانوا لا يمارسون هذه الأعمال، إذ كانت سيارات الوظيفة في حركة نشطة كل صباح من البيت الى المدارس ثم الى الجامعات والتسوق، خصوصا أن الكبار من هؤلاء كان لدى بيوتهم العديد من السيارات الرسمية لمثل هذه الخدمات! أما بعد سحب كل هذه الامتيازات، يذهب هؤلاء الى المنطقة الحرة او الحراج للبحث عن سيارة، وغالبا ما تكون واحدة، وقد تكون أيضا ذات محرك صغير، فقد اختلف الامر، بحيث أصبحت تكلفة السيارة وثمن البنزين من جيوب اصحابها، ولهذا فالترشيد والحسابات و"المفاصلة" مع التجار تعود لتحقق ترشيدا حقيقيا، بخلاف الحديث النظري عن ذلك عندما يكون الترشيد لتمرير القرارات وليس قناعة وممارسة ونهجا.

و"نعمة الترميج" تضفي نوعا من الموضوعية على خطاب بعضهم، فيبدأ بالنظر الى عيوب اداء الحكومات والحديث عنها، بل ويخرج البعض احيانا ما كان في حوزته اثناء عمله، فقد كان الصمت جزءا من الخوف على الموقع، اما الان فالإحالة على التقاعد تجعله يحاول الانضمام الى صفوف الناقدين، وعادة ما يبدأ النقد للجهة او المسؤول الذي كان وراء قرار التقاعد! لكن هذه "الموضوعية!" قد تختفي اذا ما وصلت إلى المذكور اشارة او رسالة بأن مسؤولا كبيرا سيراه قريبا، وان موقعا جديدا بعقد وامتيازات جديدة قد يأتي بعد حين.

تفاصيل كثيرة دافعها ونتائجها قيمي سلوكي، لكن من عرفهم الناس اصحاب استقرار وثبات في اخلاقياتهم ومواقفهم لا يمثل فقدان الموقع او وجوده الكثير من التحول في اصل مواقفهم؛ فمن كانت قيمته الحقيقية في قرار التعيين فقَد هذا عند قرار التقاعد، كما يفقد كل ممارسة او تجبر او تصفية حساب او اداء ناجم عن وهم بأنه مالك هذا الموقع الى الابد.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلام جميل (وائل اعبد الحافظ)

    السبت 10 كانون الأول / ديسمبر 2005.
    ليس بغريب على الاعلامي والمحلل السياسي والاجتماعي الاستاذ سميح هذا الكلام الموزون والسليم واتفق معك كثيرا الى ما ذهبت اليه عندما يكون الشخص في موقع المسؤولية فان كل شيء على ما يرام وعند مغادرته للسلطة والكرسي فان كلامه يصبح اكثر موضوعية ودقةوقد ينتقد بعشوائية في بعض الاحيان بدافع الغضب لابتعاده عن السلطة، وان شعر بأنه عائد لن يأت بشيء سوى المديح ولذلك قليلا ما نجد الانتقاد البناء من قبل المثقفين وذلك لانهم يريدوا كسب ود المسؤول لعله قربه منه فهذا لا يعمل على خدمة الوطن ورفعته.
    "للمعلومة استاذ سميح التقيت بك في الهاشمية الاسبوع الماضي وحدثتك عن التأهيل الرياضي"
  • »قد اسمعت... (محمد خصاونه)

    السبت 10 كانون الأول / ديسمبر 2005.
    الأخ سميح اشكر لك هذا المقال الذي اقل ما يمكن ان يقال به انه وضع الأصبع على الجرح ولكن صديقي.... قد اسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي.
    فهذة عقدة من مجموعة عقد في كارزما الشخصية. تحياتي
  • »( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاءوتنزعالملك ممن تشاء). (واصف سلامة .)

    السبت 10 كانون الأول / ديسمبر 2005.
    ما أجمل هذه المفردات التي كتبت يا أخي الكريم وأتمنى لو أن الذين يجلسون على كراسيهم الآن يتعظون من هذا الحال الذي سيصلون اليه لامحالة فيمارسون حياة طبيعية بشكل دائم ويتقون الله في وظائفهم الموكلة اليهم وفي مواطنيهم الذين يسومونهم سوء العذاب بسلوكهم وتصرفاتهم التي لا ترضي ضمميرا حيا.