الجهل بالإخوان وبالمجتمعات العربية أيضا

تم نشره في السبت 3 كانون الأول / ديسمبر 2005. 02:00 صباحاً

التشويه الذي تمارسه صحافة الحزب الوطني الحاكم في مصر للإخوان له ما يبرره؛ فأي عاقل يدرك أن الحزب (الجماعة) المحظور على وشك أن يغدو حاكما، والحاكم محظور، وفي هكذا وضع يحق لمن احتكر السلطة والثروة كل هذه السنوات أن يدافع عن نفسه بشراسة، ليس باستخدام الإعلام فقط بل وحتى بأساليب فجة من ضمنها حملة الاعتقالات الشعواء التي طاولت المئات من نشطاء الإخوان في الدوائر التي تجري فيها انتخابات الإعادة.

نيكسون أسقطته صحيفة "واشنطن بوست" بعد أن كشفت عن تنصت حزبه على مكاتب الحزب المنافس! فماذا على الصحافة المصرية أن تكشف حتى يتكرر المشهد في مصر بعد أكثر من ثلاثة عقود من فضيحة ووترغيت؟ عماد حجاج رسم واقعيا لا كاريكاتوريا الانتخابات المصرية؛ فالتأخر عن ركب الحضارة يمتد إلى ركوب الفرعون جملا تشكل رأسه على هيئة مقترع!

المشكلة ليست في الصحافة المصرية فحسب، فصحيفة مثل "التايمز" نشرت مقالا يعبر عن جهل يخدم الاستبداد أو عن تجهيل يصدر عن ماكنته، وقد حسبت المغالطات في المعلومات ناتجة عن أخطاء في الترجمة التي نشرتها "الغد"، لأفاجأ بتوضيح المحرر في اليوم التالي بأن ما ورد هو ترجمة حرفية، وأن ليس ثمة أخطاء في الترجمة.

من حق أي كاتب أن يقول رأيه في الإخوان، وليصفهم بما شاء (متخلفون، ظلاميون، إرهابيون،...)، لكن لا يحق لأي كان - بما في ذلك التايمز- تزوير التاريخ والعبث بالمعلومات والحقائق. تقول التايمز إن عبدالمنعم عبدالرؤوف حاول قتل الرئيس جمال عبدالناصر وأعدم، والصحيح أن عبدالمنعم عبدالرؤوف لم يكن من الستة الذين أعدموا بتهمة محاولة اغتيال عبدالناصر. صحيح أنه من الإخوان المسلمين، لكنه من مؤسسي الضباط الأحرار، وهو الضابط الذي أجبر الملك فاروق على التنازل عن العرش. وفي مذكراته، يكشف أن عبدالناصر كان عضوا في "النظام الخاص"، وأقسم على المصحف والمسدس.

المعلومات المغلوطة ربما جمعتها المصادفة، لكن خيطا يجمعها يكشف علاقة الإخوان بالعنف. فالنظام الخاص كان جهازا عسكريا محترفا، فيه عسكريون ومدنيون، ومارس العنف على وجه مشروع وغير مشروع، فهو لم ينشأ في دولة مدنية مستقلة وإنما نشأ في بلد خاضع للاحتلال البريطاني، يتبعه نظام فاسد فاقد للشرعية، ويجاوره مشروع صهيوني يمس حساسيات كل مسلم على وجه الأرض. ومجمل الأعمال العسكرية التي مارسها "النظام الخاص" كانت موجهة ضد الاحتلال البريطاني والاحتلال الإسرائيلي.

في "قضية السيارة الجيب"، كشف القضاء المصري المستقل قبل ثورة يوليو، حقيقة "النظام الخاص"؛ فهو تنظيم عسكري لمقاومة الاحتلال بالدرجة الأولى، وهو ما دفع القاضي إلى الحكم ببراءة المتهمين الذين ضبطت في حوزتهم الأسلحة في السيارة الجيب. ولم يكتف القاضي بتبرئتهم، بل استقال من القضاء والتحق بالإخوان.

في المقابل، خرج "النظام الخاص" عن سيطرة القيادة السياسية للجماعة في أواخر أيام مؤسسها حسن البنا. ففي ردة فعل على البطش الذي تعرضت له الجماعة على يد الملك فاروق، بادر "النظام الخاص" إلى تنفيذ اغتيالات وتفجيرات بحجة حماية الجماعة. كان أعضاء "النظام الخاص" يرفضون أن تفتح المعتقلات لإخوانهم الذين قاتلوا بشجاعة في فلسطين بعد فضيحة الأسلحة الفاسدة التي اتهمت فيها الحكومة المصرية، وهكذا كانت المعركة في نظرهم هي بين الاحتلال وعملائه من جهة وبين الشعب والإخوان في الجهة المقابلة.

النظام (الملكي) لم يتعامل مع الإخوان برحمة، وتوجت الدولة بطشها باغتيال مرشد الجماعة في شوارع القاهرة. وقد وجد رجال ثورة يوليو في هذه الظروف فرصة سانحة للانقلاب على النظام، وليس أدل على علاقتهم بالإخوان من استثناء الإخوان من قرار حظر الأحزاب. أما عبدالناصر فقد اصطدم بهم لأنهم كانوا التنظيم الوحيد الذي يهدد تقدمه لقيادة الجماهير، والستة الذين أعدمهم في بداية الصدام كان واحد منهم فقط قد شارك في محاولة الاغتيال، أما البقية فكانوا من القيادات ذات الشعبية الواسعة، وأبرزهم الشيخ الفرغلي الذي كان قائد المقاومة في قناة السويس، وعبدالقادرعودة صاحب موسوعة التشريع الجنائي في الإسلام، والذي قاد أكبر تظاهرة مؤيدة للثورة.

عودة إلى أخطاء التايمز، فهي تقول إن أربعة من الإخوان اغتالوا الرئيس السادات، وأن أيمن الظواهري انضم إلى الإخوان فترة قصيرة، والصحيح أن المتهمين باغتيال السادات أكثر من أربعة، وليس فيهم واحد من الإخوان، بل هم من تنظيم الجهاد، ومنظرهم كان عبدالسلام فرج صاحب "الفريضة الغائبة". وللجهاديين رأي في الإخوان موجود في الفريضة الغائبة، ومفصل في كتاب أيمن الظواهري "الحصاد المر". وفي كتابيه "الحصاد المر" و"فرسان تحت راية النبي"، لا ينفي الظواهري علاقته بالإخوان فحسب، بل ويغلظ القول فيهم، ويتهمهم بممالأة الأنظمة وتدجين الشباب!

أطرف الأخطاء في التايمز أنها تقول إن الشيخ أحمد ياسين أسس حركة حماس "لتكون الذراع السياسية للإخوان المسلمين"، والصحيح -بحسب ميثاقها- أنها "الجناح العسكري للإخوان المسلمين". وقبل الاحتلال الإسرائيلي، كان الإخوان المسلمون في الضفة وغزة جزءا من الإخوان المسلمين في  مصر والأردن، ويعملون في السياسة. وحتى العام 1988، كان نائب محافظة الخليل في البرلمان الأردني، حافظ عبدالنبي النتشة، من الإخوان المسلمين. واليوم، تمارس "حماس" العسكرية السياسة من خلال مشاركتها في الانتخابات البلدية، واستعدادها لخوض الانتخابات التشريعية.

قصارى القول، إن الإخوان حركة سياسة بالدرجة الأولى، مارست العمل العسكري بشكل مشروع لمواجهة الاحتلال، لكنها وقعت في أخطاء مثل كل الحركات السياسية في العالم، وجنحت في حالات محدودة للعنف غير المشروع. ولم تكن تتعامل ساعة جنوحها مع أنظمة مدنية مسالمة، بل مع أنظمة فاسدة طاغية، وقد يساق بعض متحمسيها إلى العنف في حال فشلهم في التغيير السلمي، والعنف في المجتمعات العربية يظل أكثر إغراء من التغيير السلمي. فالجهل ليس بالإخوان وفكرهم وتاريخهم، وإنما هو بالمجتمات العربية التي تعيش حالة طوارئ مزمنة، حرمتها من أبسط حقوقها الطبيعية.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مربط الفرس (عبدالحليم المجالي)

    السبت 3 كانون الأول / ديسمبر 2005.
    قد يكون مهما متابعة ماتكتبه الصحافة الغربيه عن الاخوان المسلمون خاصة وعن المسلمين عامه ولكن الاهم هو متابعة ما يقوم به الاخوان فى عقر دارهم وما هى ردود الافعال على هذه الاعمال من اهل الدار وهذا هو مربط الفرس . كثير من الذين يتعاملون مع الاخوان المسلمون بشكل يومي وبتماس مباشر وانا منهم لايعرفون معظم ما تفضل به الكاتب ولا يهمهم ان يعرفوا ، قد تكون كلمه او تصرف من اخ مسلم سببا فى تكوين راى ابلغ من الف معلومة خاصة وان من مجالات اهتمام النشطاء منهم الدعوه ، وانا كاردنى احكم عليهم من مراجعة ادائهم منذ فوزهم الباهر فى انتخابات68ومن تماسك صفوفهم ومن قدرتهم على الاصلاح وتنفيذ الشعارات على الواقع ومن قدرتهم على محاربة الفوضى الفكريه التى تعصف بعقولنا ووجداننا وبالتالى على مقدرتهم حول جمع الشمل وتأليف القلوب والتأثير فى موازين القوى لصالحنا. الاخوان المسلمون هم جزء هام وهام جدا من اهلنا وناسنا ويتحملون مع غيرهم قسطا من المسؤليه التى تدعو الجميع الى مراجعة شامله لترتيب البيت الداخلى ولا يهمنى جدا ماتقوله كل صحف العالم وللكاتب كل التقدير على حسن اختياره للمواضيع .
  • »شكر للأستاذ ياسر أبو هلالة (مجدي محمد)

    السبت 3 كانون الأول / ديسمبر 2005.
    أشكر الأستاذ ياسر أبو هلالة على دفاعه الموضوعي عن الإخوان المسلمين، ويا ليت رداحي الصحافة المصرية والعربية يكفون ألسنتهم عن الإخوان، وياليت تلك الألسنة تتجه لمقاومة الاستبداد والدكتاتورية والظلم والتخلف الذي تعيشه أمتنا في وقتنا الحالي.... أفرح كثيرا حينما أجد قلما لاينطق إلا بالحق ، ولا أدري متى ستكثر تلك الأقلام، ومتى ستخرس ألسنة الكذب والافتراءالتي لاتني تبرر للظالم وتنهش لحم المظلوم؟