ياسر أبو هلالة

الثقافة في جبل اللويبدة

تم نشره في الأربعاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 02:00 صباحاً

أسوأ ما في الثقافة والفنون أن تختصر في وزارة أو مؤسسة عامة، ومن حسن الحظ في الأردن أن القطاع الخاص كان مبادرا في دعمه للثقافة والفنون، وربما يتفوق على المؤسسات الرسمية. هنا يبرز الدور الريادي الذي لعبته مؤسسة عبد الحميد شومان وامتداده من بعد دارة شومان، فتلك الوقفية الثقافية لعبت دورا مهما في نشر ثقافة الانفتاح والتنوير على مستوى سياسي وفكري حتى أيام الأحكام العرفية، وتصدت إلى مهمة نشر الثقافة الفنية من خلال المعارض والاستضافات والأفلام والتدريب مما مكَّن عامة الناس الذين لم تتح لهم مناهج التعليم الرسمية أو إمكاناتهم المادية بأن يكونوا على صلة بالفن ممارسة واهتماما.

أجمل ما فعلته المؤسسة أنها اختارت مقرا  لدارة الفنون يعبر عن روح عمان: جبل اللويبدة. واختارت أن تخلد ذكرى خالد شومان في المكان ذاته. في ذلك المكان الساحر، ترى عمان الحقيقية تاريخا وحاضرا في ثنايا آثار كنيسة، وفي الأفق تشاهد جامع أبودرويش والجامع الحسيني والقلعة وجبل عمان وكل ما يعبر عن عمان الحقيقية تلك التي لم يستبحها تجار العقار.

يوما اقترحت على الزميل ناهض حتر أن نؤسس جمعية حماية عمان عندما قرر التجار بيع مدرسة الفرير، وعندما أدخل دارة الفنون أشعر كم نحن بحاجة إلى مثل هذه الجمعية. فلا زلت أذكر يوم كانت الدار خربة منسية كان من الممكن أن يشتريها واحد من عباقرة الإسكانات ويمسخ تلك التحفة إلى طوابق صماء. وسنجد حبال الغسيل تتدلى من شرفة لا مثيل لها. لكنها وجدت من يقدرها حق قدرها خالد شومان - رحمه الله- وزوجته سها التي تواصل القبض على جمر الثقافة والفن في زمن تحول فيه كل شيء إلى عقار وسوق مال.

من لا يعرف جبل اللويبدة لا يعرف عمان ولا يعرف الأردن. فيه تنوُعُنا الحقيقي غير المفتعل. فيه جامع الشريعة الذي كان إلى جواره مقر الإخوان المسلمين الذي تبرعوا به لكلية الشريعة في الجامعة الأردنية، وفيه كنائس تمثل كل الطوائف وفيه مدرسة التراسنطة ومدرسة الأقصى، فيه متنزه اللويبدة الذي كان مقصد عائلات عمان يوم كان لدينا طبقة وسطى.

في "متنزه اللويبدة" كان ثمة مقهى عام يجلس فيه الكبار وينداح الصغار في الحديقة. اليوم أقيم جدار فيها  أشبه بجدار الفصل العنصري، واستولى "البار والكوفي شوب" على الحديقة العامة. في المساء يمنع العامة من دخول الحديقة ولا يسمح إلا للخاصة بارتياد البار والكوفي شوب. وفي هذا اعتداء على حق العامة في حديقة تبرع بها مواطن لهم. فرق بين مقهى عام وكوفي شوب وبار!

أمانة عمان قامت بدور مشكور في إقامة حدائق للعامة، ولها الحق في أن تطور القائم منها خدمة للعامة ولتجلب من يقدمون خدمات الطعام والشراب والألعاب مما يناسب حديقة عامة، لكن ما جرى لـ"متنزه اللويبدة" يحتاج إلى تدخل منها. فالذين يريدون السهر والشرب لديهم فائض من الأماكن في عمان أما من يريدون أن يخرجوا أطفالهم من ضيق الشقق في جبل اللويبدة فلا يجدون غير المتنزه. أكثر من ذلك، يعني لي ولغيري الكثير أن أذهب مع أطفالي إلى مكان ذهبت إليه طفلا.

من حقنا أن نستظل بظل شجرة يزيد عمرها على عقدين، كم شجرة في عمان بهذا العمر؟ لا نريد أن يبذل في متنزه اللويبدة ما بذل في دارة الفنون، على الأقل نحافظ على الوضع السابق. إذا لم نستطع أن نبني على الأقل علينا ألا نهدم.

abuhilala@yahoo.com

التعليق