الحياة فوق فوهة بركان

تم نشره في الخميس 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 02:00 صباحاً

بينما أكتب هذه الكلمات، تظل المصادمات العنيفة مشتعلة مع قوات الشرطة منذ ما يقرب من الأسبوعين في ضواحي باريس ومدن فرنسية أخرى، حيث يضرم مثيرو الشغب النار في السيارات بمعدل ألف سيارة في كل ليلة تقريباً. لماذا يحدث هذا؟ وإلى أي مدى قد يستمر؟

إن وجود الآلاف من الشباب العاطلين عن العمل، بلا دخل أو سبيل يمدهم بأسباب الحياة، والذين لا يعرفون سوى لغة العنف للتعبير عن مطالبهم في سعيهم إلى اعتراف المجتمع بهم والاهتمام بمشاكلهم، ليس وضعاً خاصاً بفرنسا دون غيرها من البلدان؛ فكلنا نذكر أحداث الشغب التي جرت في واتس، ونيوآرك، وديترويت بالولايات المتحدة في فترة الستينات من القرن العشرين، وأحداث الشغب التي جرت في ليفربول بالمملكة المتحدة في وقت مبكر من الثمانينات، فضلاً عن الأحداث التي جرت في برادفورد، وأولدهام، وبيرنلي في السنوات الأخيرة. وعلى نحو مماثل، شهدت فرنسا أحداث شغب في فونفيلين بالقرب من ليون منذ عشرين سنة. لذا، فمن المهم أن نميز بين ما هو شائع في العديد من الدول المتقدمة وبين ما هو خاص بفرنسا دون غيرها.

لقد مرت الأنظمة الاقتصادية المتقدمة كافة بتغيرات عميقة طيلة الثلاثين سنة الماضية، إذ تحولت أنظمتنا من الرأسمالية الإدارية إلى رأسمالية حاملي الأسهم، ومن الاقتصاد الخاضع لقدر كبير من توجيه الدولة إلى أسواق أكثر انفتاحاً وابتعاداً عن التنظيمات الحكومية، ومن سياسات اجتماعية نشطة وشاملة كانت سائدة في الستينات والسبعينات إلى عالم أصبح فيه الإنفاق على الضمان الاجتماعي يتقلص على نحو مستمر.

وعلى الرغم من أن الثروات شهدت نمواً مستمراً، إذ حقق الناتج المحلي الإجمالي زيادة تتجاوز الضعف خلال الخمسين سنة الماضية، إلا أن حصة الأجور في إجمالي هذه الثروات قد تقلصت بنسبة 10%، حتى مـع أن الملايين من الأثرياء قد أصبحوا أكثر ثراء. وفي كل مكان، كان هذا يعني المزيد من الفقر المدقع لأعداد هائلة من القسم الأكثر حرماناً من السكان. لقد عاد الفقر الشديد إلى الظهور في الدول الغنية، بعد أن تصورنا أننا قد نجحنا في القضاء عليه في العام 1980، وأصبحت الفرص محدودة للغاية في الحصول على التعليم الجيد، بل وإلى حد أكبر الحصول على وظيفة، بالنسبة للعديد من الشباب، وبصورة خاصة أبناء العائلات الفقيرة أو الأسر التي يعيلها أحد الوالدين فقط، أو أبناء الأسر التي تنتمي إلى أقليات ذات خلفية عرقية أو لغوية أو دينية.

إن هؤلاء الناس يشعرون برفض المجتمع لهم، وعدم اعترافه بهم أو بحقوقهم: "لأنهم يريدون تحطيمنا فسوف نحطم كل شيء"! ربما كان هذا هو الشعار الأكثر تعبيراً عن مشاعر هؤلاء الناس ومزاجهم. لقد أصبحت بلداننا زاخرة باحتياطي غير محدود من مشاعر العنف الاجتماعي.

ولكن في مقابل هذه الخلفية المشتركة، تتسم فرنسا ببعض المظاهر المهمة التي تميزها عن غيرها من البلدان. يتلخص أول هذه المظاهر في الديمغرافية السكانية؛ فقد كانت فرنسا طيلة الخمسين سنة الماضية تتمتع بمعدلات مواليد أعلى كثيراً من بقية بلدان أوروبا -1.9 طفل لكل سيدة، مقارنة بمتوسط أوروبي يبلغ 1.6 طفل، ومعدلات تبلغ 1.3 طفل لكل سيدة في ألمانيا وأسبانيا.

في ألمانيا، تقل أعداد كل جيل جديد يدخل إلى سوق العمالة عن أعداد الجيل الذي يترك السوق. وعلى النقيض من هذا، فإن سوق العمالة في فرنسا يستقبل زيادة تتراوح ما بين 200 إلى 300 ألف عامل مع كل جيل يترك السوق، وهذا لا يتضمن أعداد المهاجرين التي على الرغم من تقلصها في الآونة الأخيرة، إلا أنها تشكل عدداً ضخماً من الباحثين عن وظيفة. ومع انحدار معدلات النمو الاقتصادي، فقد ترتب على كل هذا زيادة متنامية في أعداد العاطلين عن العمل.

أما المظهر الثاني، فهو جغرافي؛ والحقيقة أن التجمعات الحضرية الهائلة حول العاصمة تشكل ظاهرة فريدة في أوروبا، حيث يقيم في باريس وضواحيها 20% من التعداد الإجمالي للسكان في فرنسا. وبطبيعة الحال، فقد أربكت الأعداد الهائلة من الشباب المضطرب الحائر قدرة النظام الفرنسي على استيعابهم، على الرغم من أن قدرات النظام في هذا المجال تثير الإعجاب حقاً.

لقد فتحت فرنسا نظام التعليم العام لديها إلى حد غير مسبوق، ورفضت منح الأقليات حقوقا خاصة بالجماعات، لكنها في ذات الوقت تؤكد بقوة على الحقوق الشخصية، بما في ذلك الحق الكامل فـي الحصول عـلى الخدمات الاجتماعية كافة، بصرف النظر عن اللغة أو الدين أو لون البشرة. إن النظام يتهاوى، ولكن ذلك يرجع فقط إلى محدودية قدرته الاستيعابية وليس بسبب مبادئه الجوهرية.

في ظل هذه الظروف، كان كل سياسي فرنسي يدرك طيلة العشرين سنة الماضية أن فرنسا تعيش في خطر متنام يتجلى في إشارات تؤكد أن الأحداث المنعزلة قد تلتحم في كتلة واحدة حرجة تؤدي إلى أعمال عنف. وعلى ذلك، فإن مهمة الاختصاصيين الاجتماعيين وقوات الشرطة لابد وأن تتركز في محاولة مواجهة ومعالجة كل حدث على حدة، بسرعة وحكمة، من أجل تهدئة الثورة وإخمادها.

وعلى نحو مماثل، فقد كان التصرف الحكيم في مثل هذه الظروف معروفاً للجميع منذ عشرين سنة أيضا، حين وافقت مجموعة من محافظي المدن الكبرى بالإجماع، في تقرير غير حزبي قامت بإعداده، على اتخاذ بعض التدابير: الكبح الفعّال لمظاهر العنف، والاستعانة بأساليب اجتماعية متطورة قادرة على منع نشوء العنف، والتواجد الدائم لقوات الشرطة المحلية، والجهود المتواصلة المتجددة لاستيعاب الجانحين وإعادة دمجهم في المجتمع.

لكن الصعوبة التي تواجه محاولات تنفيذ هذه السياسة تكمن في أن جوانبها الوقائية مثل الدعم الاجتماعي للجانحين وإعادة دمجهم في المجتمع، قد تبدو في نظر السكان المروعين الذين يقيمون في المناطق المتأثرة وكأنها "تساهل مع الجريمة" وإفراط في التسامح. لكن فرنسا كانت تعيش طيلة السنوات الثلاث الماضية في ظل حكومة لم تعد تؤمن بنجاح السياسة المدينية ذات التوجه الاجتماعي، بل تؤمن فقط بسياسة القمع، وتعلن ذلك على الملأ! ونتيجة لهذا، فقد تم تخفيض قوات الشرطة المحلية من عشرين إلى أحد عشر ألفاً، بينما تم تعزيز قوات الشرطة الوطنية لمكافحة الشغب (CRS).

ومما يدعو للأسف أن فرنسا تقدم الآن استعراضاً عملياً لهذه السياسة الجنونية العاجزة، إذ قدم وزير الداخلية نيكولاس ساركوزي تصوراً شديد الوضوح للتوجهات الجديدة حين وصف المتمردين الشباب بأنهم "حثالة". إن الأمر أشبه بعود ثقاب ألقاه مدخن متهور على أجمة من الأغصان الجافة؛ فقد جاء رد الشباب على استفزاز ساركوزي عنيفاً وانتقامياً.

إن الخطر الحقيقي الآن يتلخص في أن تلك الأحداث الجارية في ضواحي المدن الفرنسية الكبرى قد تتحول إلى قدوة يتبعها شباب آخرون في المناطق الأقل حضرية من فرنسا أو في بلدان أوروبية أخرى، ممن يشعرون بأنهم منبوذون اجتماعياً، والذين لا يقلون ميلاً إلى التعبير عن أنفسهم بالسبل العنيفة. والحقيقة أن التوصل إلى حلول للمشاكل التي أدت إلى هذه الثورة الفرنسية سوف يتطلب الوقت، والحكمة، والاحترام المتبادل، والعمل الشرطي والاجتماعي المخلص القائم على توجهات مجتمعية بدلاً من ذلك التوجه المركزي القمعي، علاوة على الكثير من المال. ولكن في النهاية، يتعين علينا جميعاً أن ندرك أن فرنسا ليست على الإطلاق الدولة الوحيدة التي يتعين عليها أن تنتبه إلى مثل هذا الخطر.

ميشيل روكار رئيس وزراء فرنسا الأسبق وزعيم الحزب الاشتراكي، وهو عضو في البرلمان الأوروبي.

خاص بـ"الغد". حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005.

www.project-syndicate.org

التعليق