صدّام حسين بين يدي القانون

تم نشره في الثلاثاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 03:00 صباحاً

تُرى ما هي المخاطر الضمنية المتعلقة بمحاكمة صدّام حسين التي بدأت في التاسع عشر من تشرين الاول الماضي؟ نظراً لانعقاد المحاكمة بعد مرور أربعة أيام فقط من الاستفتاء على الدستور العراقي، وبعد أن وصفها البعض بأنها "لحظة دستورية" تشبه محاكمة الملك تشارلز الخامس أو محاكمة لويس السادس عشر، فمن المفترض في هذه المحاكمة أن تساعد على انتقال العراق من الطغيان إلى الديمقراطية. تُـرى هل تَصدق هذه الفرضية؟

حتى وقتنا الحالي، تؤكد كل المؤشرات أن المحاكمة ليس من المرجح أن تحقق أهدافها الطموحة؛ فمنذ البداية في عراق ما بعد الحرب، كانت العدالة الجنائية تعمل على نحو يجعلها تبدو وكأنها محاولة لاستئصال نظام الحكم السابق: محاكمات متفرقة، وتطهيرات جذرية. كما كان الاندفاع المتعجل بعد الغزو لاستئصال شأفة كل ما يتعلق بحزب البعث سلوكاً بالغ السوء، إلى الحد الذي أصاب العديد من المؤسسات القائمة حالياً في الدولة بالشلل.

والحقيقة أن ذلك الخليط من المسؤوليات الفردية والجماعية المرتبطة بالأنظمة القمعية غالباً ما يؤدي إلى معضلة فيما يتصل بكيفية التعامل مع المؤسسات القديمة. ولكن في العراق، كان حل قوات الجيش والشرطة سبباً في الخواء الأمني المحلي الذي تشهده البلاد حالياً. وحين تم إدراك هذا الخطأ كان الضرر قد وقع بالفعل، وكان الأمن هو الضحية بلا داعٍ. فضلاً عن ذلك، فإن المصادر الصالحة لاستمداد الشرعية اللازمة للإصلاح الدستوري المتواصل، مثل البرلمان على سبيل المثال، قد تعرضت هي الأخرى للتخريب.

إن الافتقار إلى المؤسسات الشرعية اللازمة لإعادة بناء حكم القانون يتجلى بوضوح في الجدال الدائر الآن بشأن السلطة التي ينبغي أن تمارس على صدّام حسين، والحكم الذي ينبغي أن يخضع له. هل ينبغي أن تكون المحاكمة وطنية أم دولية؟ إن هذه المسألة تلقي الضوء على العلاقة المثيرة للجدل بين القانون الدولي الإنساني واستخدام القوة.

في البلقان، كان توجيه الاتهام إلى سلوبودان ميلوسوفيتش من قِـبَل المحكمة الجنائية الدولية التابعة للأمم المتحدة بشأن يوغوسلافيا السابقة بمثابة القوة الدافعة نحو التغيير السياسي في المنطقة. لقد أصبح تجريد الأنظمة من الشرعية من الوظائف الرئيسة للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة الجديدة.

لكن الأمر في العراق كان مختلفاً. فبدلاً من اللجوء إلى الإجماع الدولي، شُنَّت حرب مدمرة تمادت إلى ما هو أبعد من مجرد خلع صدّام، فأنزلت الضرر بعشرات الألوف من المدنيين، وبهذا أساءت إلى رسالة الإدانة وشوهتها.

إن الأصول التي ترجع إليها عدالة النظام الحاكم الوريث في الحروب تعني أن الحوار بشأن شرعيتها يشترك مع الخلاف الأوسع نطاقاً بشأن شرعية التدخل ذاته. فحتى الآن، لم تتعاون الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وأغلب منظمات وجماعات حقوق الإنسان مع المحكمة الخاصة العراقية، ويرجع ذلك إلى معارضة تلك الجهات للتدخل العسكري في الأساس، علاوة على إباحة قانون المحكمة الخاصة العراقية لحكم الإعدام.

وفي النهاية، فإن المناقشة بشأن السلطان القضائي الدولي في مواجهة السلطة القضائية الوطنية أو المحلية تعكس انقساماً لم يعد ملائماً للظروف السياسية المعاصرة، إذ إنه يطمس حقيقة مفادها أن القانون الدولي أصبح يندمج على نحو متزايد مع القانون المحلي. فعلى الرغم من اعتبارها محكمة "وطنية" وفقاً للافتراض السائد، إلا أن المحكمة العراقية تصف الجرائم ذات الصلة هنا باعتبارها "جرائم ضد الإنسانية".

ولكن الآن فقط، بعد الحرب، أصبحت عدالة النظام الحاكم الوريث موجهة نحو صقل وترسيخ رسالة تجريد الحكم القديم من شرعيته وتغيير النظام. وعلى الرغم من ارتباطها الوثيق بالغزو، إلا أن محاكمة صـدّام من المتوقع أن تمثل، على نحو ما، حكماً عراقياً مستقلاً، فتشكل بذلك مسؤولية محلية دون أن تؤدي إلى تفاقم التوتر وحالة عدم الاستقرار التي تعاني منها البلاد بالفعل. تُـرى هل يكتب لها النجاح في هذا المسعى؟

منذ البداية يتعين على المحكمة الخاصة العراقية أن تشكل رمزاً قوياً للسيادة العراقية. لكن ارتباطها الوثيق بالغزو الذي قادته الولايات المتحدة يجعلها عرضة للاتهام بخضوعها لـِ"عدالة المنتصر". وعلى الرغم من إقراره في شهر كانون الأول من العام 2003 من قِـبَل مجلس الحكم العراقي، إلا أن صياغة قانون المحكمة الخاصة العراقية تمت بالاتفاق مع حكومة الولايات المتحدة، وكان التصديق عليه من قِـبَل بول بريمر مدير السلطة الإقليمية للتحالف آنذاك. وتظل الولايات المتحدة تشكل القوة الدافعة وراء إنشاء المحكمة الخاصة العراقية، وتمدها بالخبرات اللازمة. وفي اعتقاد العديد من العراقيين، فمن الصعب النظر إلى المحكمة الخاصة العراقية باعتبارها أي شيء غير التعبير عن إرادة المحتل.

والحقيقة أن الارتباط الوثيق بين المحكمة الخاصة العراقية ومؤسسة النظام الحاكم الوريث التي تلقى الدعم من قِـبَل الولايات المتحدة محفوف بالمخاطر السياسية، ولابد وأن تكون العدالة الجنائية الانتقالية من الاتساع بالدرجة الكافية لتسوية النزاعات والإصلاح بين أطراف العراق المقسم. وعلى هذا، فلابد وأن تشمل جرائم الجميع ضد الإنسانية، بينما يتعين عليها أيضاً أن تتجنب إيقاع قادة الولايات المتحدة أو حلفائها في الحرج، وعلى نحو خاص بشأن علاقاتهم المتسعة الوثيقة بنظام صـدّام. لكن ظهور المحكمة في هيئة من يحرص على إقامة عدالة اختيارية أو موجهة، من شأنه أن يطيح بمصداقيتها والغرض الذي أقيمت من أجله.

وهناك أيضاً شبح التعصب الذي قد يحكم سير الدعوى القضائية، وهو سبب آخر لافتقار المحكمة الخاصة العراقية للتأييد الدولي. كما أن الاختيار الأصلي للقضاة من قِـبَل جهة كان يُـنْـظَر إليها على نطاق واسع باعتبارها تابعة للاحتلال، يعرض المحكمة لادعاءات بالتحامل والانحياز، كما حدث بسبب قضايا تتعلق بحق الاطلاع والشفافية بالنسبة للمدعى عليهم وآخرين.

فضلاً عن ذلك، فإن قانون المحكمة الخاصة العراقية لا ينص على شيء بشأن معايير الإثبات، الأمر الذي يعني ألا يفسر الشك لصالح المتهم في حال لم يكن الذنب بالضرورة مثبتاً بما لا يدع مجالاً للشك. فعلى الرغم من أن المجموعة الأولى من الاتهامات المتعلقة بعمليات القتل مؤكدة بالمستندات الموثقة في"دجيل" وأماكن أخرى في الثمانينيات، إلا أن محاكمة ميلوسوفيتش أمام المحكمة الجنائية الدولية التابعة للأمم المتحدة بشأن يوغوسلافيا، تؤكد لنا مدى صعوبة إثبات حجة "السلطة العليا" التي نستطيع بها ربط عمليات القتل بالقائد على نحو مباشر.

وطبقاً لتصريحات الرئيس العراقي جلال طالباني، فإن هذه المشكلة قد "حُلَّت" ظاهرياً بواسطة اعترافات مستخلصة من المتهم. وبطبيعة الحال، إذا كان الهدف الذي ترمي إليه المحكمة الخاصة العراقية يتلخص في إقامة محاكمة استعراضية بدلاً من دعم حكم القانون، فقد حُلّت المشكلة.

وإذا ما كان الأمر كذلك، فمن الممكن إذن تقليص إجراءات الدعوى الجنائية بحيث تتلخص في الاعتراف بالمسؤولية عن مذبحة واحدة، بينما يصبح من الممكن تنحية المحاكمات التالية لفتح الطريق أمام توقيع العقوبة السريعة، على عكس قضية ميلوسوفيتش، على سبيل المثال، والتي دخلت الآن عامها الرابع. لكن العقوبة السريعة -الإعدام على الأرجح- تهدد بدفن سجل كامل من عقود من الطغيان في ظل غرض آخر يهيمن بوضوح، ألا وهو مكافحة التمرد بوسائل أخرى.

ومن هنا، أستطيع أن أقول إن محاكمة صـدّام سوف تبرهن على النقائص التي قد يعاني منها قانون يتم سنه في ظل نظام انتقالي ناشئ. ثم هناك معضلة عسيرة الحل فيما يتصل بالعدالة الانتقالية، ألا وهي أن المجتمعات المخربة نتيجة لتراث وحشي من حقوق الإنسان المنتهكة، تلجأ في الغالب إلى القانون بهدف دعم شرعية النظام الحاكم الوريث، الأمر الذي لن يؤدي إلا إلى تخريب هذه الأهداف القويمة بسبب التحديات والحلول الوسط المتأصلة في عملية الانتقال ذاتها.

روتي تيتل أستاذ القانون المقارن بكلية الحقوق في نيويورك، ومؤلفة كتاب "العدالة الانتقالية".

خاص بـ"الغد". حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005.

www.project-syndicate.org

التعليق