منار الرشواني

فرنسا وتوطين العنف

تم نشره في الاثنين 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 03:00 صباحاً

لم تكن قضية العنف المتفجر في فرنسا محض ردة فعل على مقتل اثنين من الشبان الأفارقة والمسلمين، يقول الأهالي إن الشرطة الفرنسية كانت تطاردهم؛ فمن البداهة القول إن ثمة أسبابا عميقة الغور كانت كافية لصعقة كهربائية أودت بضحيتين هما أقل من مجهولين، أن تشغل أوروبا وليس فرنسا وحدها، لأيام ولربما لشهور أو سنوات قادمة. وما يحدث في فرنسا اليوم قد يكون متطابقا تماما في مكامنه وجذوره مع ما حدث في لندن في قضية تفجير مترو الأنفاق في تموز الماضي. وعند هذا الحد قد يكون مطلوبا منا، نحن العرب والمسلمون الذين نشترك مع "الإرهابيين" و"مثيري الشغب" في الدين أو اللغة أو العرق أو الحضارة...، أن لا نتجاسر على ما هو أكثر من الإدانة لذلك الإرهاب وذلك الشغب، ساعين إلى التبرؤ من أولئك الشبان الرعاع، الذين يجب أن نقول إنهم لا ينتمون إلى ثقافتنا وحضارتنا ناهيك عن ديننا المتسامح، وأن نقف بأبواب ساسة الغرب ورأيه العام نستجدي صكوك الغفران!

نيابة عن الجميع، عربا ومسلمين، في العالمين العربي والإسلامي كما في العالم أجمع، أستطيع القول إننا مستعدون لكل ما سبق، لكن ذلك تحديدا ما يجب أن لا يقبله منا الغرب، ولا سيما الأبرياء منهم وهم الغالبية. فكل الإدانات والاعتذارات من قبلنا ستكون شبيهة إلى أبعد حد بخطابات الرئيس جورج بوش حول مسيرة العراق الثابتة نحو الاستقرار والازدهار! ووجه التشابه الأهم هنا أن الإدانة، كما ادعاءات الرئيس بوش، لا تعدو أن تكون عبثية وعديمة الجدوى، وليست تغير من حقيقة ما يجري على الأرض من مآس.

بالتأكيد ثمة عوامل اقتصادية اجتماعية، يقر وزير الداخلية الفرنسي نيكولا ساركوزي بأن عمرها ثلاثون عاما، حاضرة بقوة وراء أحداث الشغب في فرنسا، كما كانت حاضرة أيضا، وباعتراف البريطانيين، في تفجيرات لندن التي نفذها مسلمون بريطانيون، لكن ما الذي جعل عقودا من التهميش والإقصاء تأخذ هذا الشكل المتفجر لسبب قد لا يبدو مقنعا، سيما وأن الشابين اللذين صعقا بالكهرباء أثناء مطاردة الشرطة الفرنسية لهما كانا على الاغلب قد أقدما على فعل غير قانوني، كما أن المسلمين البريطانيين لم يتعرضوا لاستفزاز مباشر يبرر هجمات تموز؟

الإجابة عن هذا السؤال لا تتجسد في ما قد يحلو للبعض تقديمه على الدوام، وهو "الثقافة الإسلامية" التي تغذي العنف، فالعامل المشترك الحقيقي في تفسير أحداث "العنف الإسلامي" في بريطانيا وفرنسا هو النظرة الاستشراقية للإسلام وثقافته، وبالتالي للمسلمين جميعا، وهي النظرة التي تروج الصورة العنيفة والإرهابية للإسلام، والتعاطي السياسي مع هذه النظرة الأقرب إلى الخرافة باعتبارها بدهية لم تعد تستحق التوقف والتمحيص والاختبار.

وهكذا، فتهميش العقود الماضية لم يكن ليأخذ هذا الشكل المتفجر إلا نتيجة سياسات (أو انها عامل ذو درجة أولى ضمن أي عوامل حقيقية لتفسير العنف الإسلامي في أوروبا) ما ينوف عن أربع سنوات هي الفترة التي مضت على انطلاق ما يسمى بـ"الحرب على الإرهاب". والعقدة تكمن في إجابة الاوروبيين ذاتهم عن سؤال: هل مثيرو الشغب أو الإرهابيون هؤلاء هم أوروبيون مسلمون، أم أنهم مسلمون يحملون جنسيات أوروبية؟ الاختيار بين هذين الموقفين ينطوي على نتائج عميقة وخطيرة. فعندما كان المسلمون في أوروبا "أوروبيين مسلمين"، ولو بدرجة ربما لم تصل أبدا حد الكمال، كان لدى هؤلاء دائما فرصة للخروج من التهميش باعتباره ظرفا موضوعيا قد يعاني منه أي مهاجر أو من أصول مهاجرة، كما قد يعاني منه مواطنون أوروبيون تضرب جذورهم في الانتماء إلى أوروبا والعرق الأبيض. لكن منذ بداية الحرب على الإرهاب، التي استطاعت بلورة، بل وتقنين الرهاب من الإسلام (الإسلاموفوبيا)، بدأ ذلك الأفق القادر على امتصاص تلك الاختناقات والإحباطات بين أبناء المسلمين الأوروبيين بالتلاشي شيئا فشيئا.

فمنذ بداية "الحرب على الإرهاب"، تم وضع الإسلام في إطار تفسير واحد تم اختراعه أو اختلاقه أو اعتماده، بما يتفق وسماسرة الحرب وأمرائها، وقبلهم الحالمون بـ"هرمجيدون" سريعة. ومن ثم، وبشكل تلقائي، تم وضع المسلمين جميعا، سواء أكانوا مواطنين أوروبيين أو مواطنين منتمين إلى بلدان شرق أوسطية أو إسلامية في خانة الإرهابيين المفترضين حتى تثبت إدانتهم، وليس العكس! وهكذا، لم تعد تحمي المواطنة (الجنسية) الاوروبية والغربية عموما أي مسلم من الاختطاف والاعتقال والتعذيب، والشواهد كثيرة، ليأتي بعد ذلك تحذير الرئيس بوش من "الفاشية الإسلامية"، بكل ما ينطوي عليه هذا التشبيه من دلالة مفزعة لدى الأوروبيين، لكن عندما يغيب المعيار إلا من دين "الإسلام"، فعلى المسلمين "المستهدفين" أو "الضحية" أن يكونوا دائما في حالة دفاع واستعداد للمواجهة.

عند هذا الحد، يبدو أن الغرب يدفع أساسا ثمن سياسات بوش الاصولية القائمة على التعميم الاعمى، لكن لفرنسا تحديدا دورها على صعيد تغييب أي أفق لدى المسلمين الفرنسيين بالاندماج في المجتمع، ولعل المثال الأبرز هنا هو قضية حظر الحجاب في المؤسسات الرسمية الفرنسية، بما فيها المدارس. فقد فات الفرنسيين، كما تعامى مؤيدوهم من "مشايخ" الازهر وغيره في العالم العربي الإسلامي، عن حقيقة أن الحجاب بالنسبة للمرأة المسلمة ليس مجرد رمز ديني، بل هو فوق ذلك أحد مشتملات الدين الإسلامي ولربما أحد اسسه لدى البعض. وبالتالي، فإن المساس بالحجاب هو نوع من الرفض للمسلمين كمواطنين فرنسيين كاملي الحقوق.

الرئيس بوش، والغرب معه أو من ورائه، ومع كل سياسة قائمة على القوة والازدراء هدفها صد ما يسمى الإرهاب القادم من العالمين العربي والإسلامي، إنما يقوم بتوطين بذور العنف (أو الإرهاب) في بلاده ذاتها، بحيث لن يعود هناك حاجة إلى الحديث عن إرهاب منبعه بلدان إسلامية وشرق أوسطية فقط.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق