منار الرشواني

الحق في الموت!

تم نشره في الاثنين 31 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 03:00 صباحاً

يُحسب للثورتين الأميركية والفرنسية أنهما صاغتا لأول مرة في تاريخ البشرية وثائق تتعلق باحترام حقوق الإنسان، لا سيما المدنية والسياسية منها، والتي وجدت التعبير الأممي عنها لاحقا بإصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948. كذلك، قد يحسب للأفارقة إلى حد بعيد العمل على صياغة وإقرار الحق في التنمية كأحد أهم حقوق الإنسان في مرحلة ما بعد الاستقلال في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، وصولا إلى السعي إلى حق التعويض عن فترة العبودية والاحتلال. أما نحن عرباًًَ ومسلمين، فيبدو أننا قد نكون أول من يبدع حقا لا مثيل له، يقوم على احترام إنسانية الإنسان بنفي الحياة ذاتها، أو بعبارة أخرى، ابتداع "الحق في الموت"!

بحسب الخبر الأحدث المتعلق بمعتقلي غوانتنامو، والذي تداولته وسائل الانباء يوم أول من أمس، فقد "طالب فوزي العودة، المعتقل الكويتي الجنسية في قاعدة غوانتنامو، والمضرب عن الطعام مع 26 معتقلا آخر، طالب بالحصول على حكم قضائي لرفع انابيب الاعاشة الاصطناعية عنه حتى يموت جوعا..."

البعض، ولربما الغالبية، قد ينظر إلى هذه القضية من زاوية دينية أو أخلاقية أو صحية، على النحو الذي يبرز الآن فعلا في الجدل الدائر بين نشطاء حقوق الإنسان، الذين يشيرون إلى أن "التغذية الاصطناعية اسلوب غير اخلاقي ويسبب الما شديد"، وبين المسؤولين الأميركيين الذين يرون أن هذا هو الاسلوب السبيل الوحيد لإنقاذ أرواح المضربين عن الطعام. لكن الحقيقة أن قضية معتقلي غوانتنامو لا يجوز أبدا، وتحت أي ظرف من الظروف إدراجها ضمن فئة "القتل الرحيم" التي شهدنا آخر نماذجها في شهر آذار الماضي في قضية تيري شيندلرشيافو المصابة بتلف في الدماغ، والتي قرر زوجها رغم كل المطالبات والمناشدات حتى من الرئيس الأميركي نفسه نزع أنبوب التغذية عنها. ذلك أن المسؤول عن وصول وضع المعتقلين إلى درجة استجداء الموت هو حكومة الولايات المتحدة الأميركية نفسها، من خلال عمليات تعذيب جسدي ونفسي تمارسه بشكل ممنهج ضد معتقلي غوانتنامو. فعلى سبيل المثال، وبحسب تقرير صادر عن منظمة الصليب الأحمر في تشرين الثاني 2004، يشارك في عمليات التعذيب تلك اختصاصيون نفسيون من خلال ما يسمى "فريق العلوم السلوكية الاستشاري" (Behavioral Science Consultation Team) يقدمون النصح للمحققين.

لكن حتى وإن وصلت قضية معتقلي غوانتنامو إلى حد اختزالها في مسألة جواز "القتل الرحيم" من عدمه، فإن هذه القضية تظل محملة بالتعبير الأبلغ عن حال أمة بأسرها، كما أنها تكاد تفسر كثيرا من تصرفات يحلو للبعض أن يعزوها إلى ثقافة إسلامية أو حتى جينات مشوهة!

فبحسب توم ويلنر، محامي فوزي العودة، فإن "موكله يريد ان يموت يأسا من استمرار اعتقاله دون توجيه اي اتهامات اليه". لكن الحقيقة الأشد قسوة هي في الإجابة عن السؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة أصلا على توجيه تهم إلى معتقلي غوانتنامو؟ فكما يذكر تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" قبل أشهر طويلة، يؤكد مسؤولون في الجيش الأميركي أن أغلب معتقلي غوانتنامو هم إما عديمو الفائدة أصلا أو أنهم أصبحوا عديمي الفائدة الآن! إذن لماذا تصر الولايات المتحدة على إبقائهم معتقلين كـ"مقاتلين أعداء" لديها؟

الإجابة ليست مهمة، بل المهم هو تبعاتها. ففي عالم قرر أن يكون شعاره تجاه كل ما يحصل لنا، بأيدي الولايات المتحدة وحلفائها، لا سيما إسرائيل، أو بأيدي قادة "وطنيين" لكن بدعم من تلك الدول، قرر أن يكون شعاره: "لا أرى، لا اسمع، لا أتكلم"، وبتنا أمة إرهابية سلفا، بات منطقيا، وقد غاب الأفق تماما، أن يطلب البعض منا الموت فرارا من حياة مهينة إلى كرامة شهداء أو حتى كرامة أموات وجثث، وفق أي منطق نريد! وليس يمنع أن يصطحب البعض من أولئك برفقته آخرين، من خلال عملية انتحارية أو استشهادية... إلخ.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق