تحدي بالاكوت

تم نشره في الخميس 20 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 03:00 صباحاً

 قمت مؤخراً، بصحبة بعض الزملاء وأعضاء هيئة التدريس والطلاب من جامعة إسلام أباد، برحلة إلى بالاكوت بالقرب من مركز الزلزال الذي ضرب كشمير. لقد مُـنِـيَّت هذه البلدة الجبلية الواقعة على ضفاف نهر كونهار بدمار شامل؛ هناك الركام في كل مكان، والروائح الكريهة المنبعثة من الجثث المتحللة تزكم الأنوف. وبالطبع، وجدت الجرذان في هذه البيئة مرتعاً لها، حتى أنني وطئت جرذاً عن طريق الصدفة فوجدته سميناً للغاية. ولكن هل هناك أية خطة لرفع وإزالة الركام الخرساني داخل البلدة وحولها؟ لا أحد يدري. لكن أهل بالاكوت يمرون على ذلك الركام في خطى سريعة، والأقنعة على الأنوف في كل مكان.

   ولكن هناك أنباء طيبة؛ فقد كانت مجموعتنا واحدة من مجموعات لا حصر لها من المواطنين العاديين الذين قرروا أن يتحركوا بعد أن بات من الواضح أن الخسائر التي نجمت عن زلزال السبت الماضي فادحة. والآن، أصبحت الطريق من مانسهرا إلى بالاكوت، الذي تم فتحها أخيراً بالاستعانة بجرافات الجيش العملاقة، تزدحم بشاحنات الإغاثة المكدسة بالإمدادات التي يتبرع بها الناس من كل أنحاء البلاد. والحقيقة، إنها المرة الأولى التي أرى فيها الشعب الباكستاني يشعر ويتحرك على نحو جماعي كأمة واحدة. وحتى قُـطَّاع الطرق الذين ينصبون الكمائن لنهب إمدادات الإغاثة -الأمر الذي يجعل من الضروري وضع حراس مسلحين ببنادق آلية كل بضع مئات من الياردات لحماية الإمدادات- لا يمكنهم إفساد هذه اللحظة.

   كما أتت الجماعات الإسلامية من أرجاء البلاد كافة. إذ تجلب بعض هذه الجماعات معونات الإغاثة، بينما يبادر بعضها الآخر إلى إلقاء الخطب على أولئك الذين فقدوا ذويهم وخسروا أسباب رزقهم، فيحاضرونهم بشأن خطاياهم ومساوئهم التي جلبت عليهم هذه الفاجعة. ومما يبدو أن أحداً منهم لا يستطيع أن يفسر لنا لماذا يتنزل غضب الله على المساجد والمدارس التي انهارت جميعها بأعداد ضخمة، ولا أحد منهم يشرح لنا لماذا دُفِن الآلاف من المؤمنين أحياءً في شهر الصيام الكريم هذا؟!

   الآن تتوجه المساعدات من كل أنحاء العالم نحو منطقة الدمار، كما تشارك الولايات المتحدة أيضاً في هذه الجهود، فقد تم تحويل الطائرات المروحية من طراز شينوك عن مهامها لمكافحة تنظيم القاعدة في أفغانستان، وأصبحت الآن تحلق فوق معاقل الجهاد ومعسكرات تدريب المقاتلين في مانسهرا لإسقاط الأغذية والخيام خلفها ببضعة أميال. وباتت المهام التي تقوم بها الآن مؤقتاً كحمامات للسلام بدلاً من آلات حربية جهنمية، أوقع وأشد تأثيراً في تهدئة الإسلاميين الغاضبين من خداع الدعاية البراقة التي تنشرها الهيئات الاستخباراتية التابعة للولايات المتحدة في باكستان.

   إن ظهور هذه الطائرات يجعل من مروحيات الإغاثة دعاية هائلة، في السراء والضراء. وهذا بلا شك السبب الذي جعل الحكومة الباكستانية ترفض العرض الذي قدمته الهند بإرسال طائرات مروحية للمساهمة في أعمال الإغاثة داخل وحول مدينة مظفر أباد، عاصمة القسم الذي تديره باكستان من كشمير، والذي سواه الزلزال بالأرض. من المؤسف، وعلى الرغم من عملية السلام المحتفى بها كثيراً، أن باكستان ترفض منح تأشيرات الدخول لجماعات السلام والناشطين من الهند الذين يسعون إلى تقديم المساعدة في إطار جهود الإغاثة. حتى الآن لم يفت الأوان بعد لفتح الأبواب والسماح للباكستانيين، والهنود، والكشميريين بمساعدة بعضهم البعض.

   إن التحديات كثيرة، ومازالت المساعدات ضئيلة للغاية. فالخيام، والبطانيات، والملابس الدافئة ليست كافية. لقد وردت إلى المنطقة مئات الخيام، ولكن الآلاف من العائلات لا تزال تعيش تحت السماء بلا سقف يقيها من الأمطار والصقيع، وما زالت الرهبة تخيم على قلوبها. لقد خسر أفراد هذه العائلات كل شيء باستثناء الملابس البالية، والتي تستر بالكاد أجسادهم. حتى إن بعض العائلات فقدت الأرض التي عاشت عليها لأجيال، إذ غارت التربة العلوية وحل محلها الصخور الصلدة والركام.

والأسوأ من كل ذلك أن المساعدات لا تصل إلى أكثر المناطق تأثراً بالزلزال، إذ إن المئات من التجمعات السكانية التي خربها الزلزال منتشرة في أعماق الجبال. ولقد شاهدنا الطائرات المروحية تحاول الإنزال من الجو؛ حيث الهبوط يكاد يكون مستحيلاً في أغلب المناطق. لكن الناس أخبرونا أنهم كثيراً ما يخطئون أهدافهم حيث يلقون بإمدادات الإغاثة على مرتفعات تبعد آلاف الأقدام، أو إلى الأسفل في أعماق الغابات الكثيفة. كما أن التوزيع يتم على نحو عشوائي وبدون تنسيق. فقد رأينا عمال الإغاثة يلقون بطرود الأغذية والملابس من أعلى الشاحنات، وكثيراً ما تقع أعمال شغب. وبطبيعة الحال لا يفوز بالمساعدات إلا من يجيدون التدافع واستخدام العضلات، أما الضعفاء فيراقبون باستسلام.

   الآن الوقت يمضي بسرعة، وخلال شهرين سيبدأ الجليد بالتساقط على الجبال وستهبط درجات الحرارة إلى ما دون الصفر. ربما تحول الملايين إلى مشردين بلا مأوى، وأولئك الذين لا ملاذ لهم سوف يلقون حتفهم لا محالة. ومن المؤكد أن الخيام لن تكفي كمأوى آنذاك.

   ولقد أخذنا على عاتقنا، بالاستعانة بصندوق تمويل خاص بالجامعة، إعادة بناء بيوت العشرات من العائلات، لكن هناك الآلاف من العائلات الأخرى التي ستحتاج إلى مساكن في المنطقة التي تشمل مانسهرا وبالاكوت وكاغان وحدها، ناهيك عن منطقة كشمير المجاورة، غير أن مهمة إنقاذ الأرواح قد بدأت بالكاد.

   لقد مررت بهذه التجربة من قبل. فمنذ ما يقرب من 31 عاماً، في الخامس والعشرين من كانون الأول 1974، وقع زلزال قوي سوى المدن بالأرض على طول طريق كاراكورم السريع وتسبب في مقتل حوالي عشرة آلاف نسمة. ولقد سافرت مع فريق من الجامعة إلى نفس المنطقة الجبلية للقيام بأعمال إغاثة مماثلة. ولقد وجه رئيس الوزراء ذو الفقار على بوتو آنذاك النداء إلى الجهات العالمية كافة لتمويل أعمال الإغاثة، وخرج في رحلة بطائرة مروحية إلى مدينة بيشام التي هدمها الزلزال، حيث قطع وعوداً رائعة فيما يتصل بأعمال الإغاثة وإعادة البناء. لكن العجيب أن مئات الملايين من الدولارات التي تلقتها الحكومة من الخارج لتمويل أعمال الإغاثة اختفت في ظروف غامضة! ويعتقد بعض المطلعين على بواطن الأمور أن تلك الأموال قد استخدمت كنواة للبرنامج النووي الباكستاني السري.

   تُـرى هل يكون سلوك الحكومة الحالية أفضل؟ لن يتأتى هذا إلا إذا سارع المواطنون إلى تنظيم أنفسهم بحيث يلعبون دوراً أكثر مباشرة في أعمال الإغاثة وإعادة البناء على المدى البعيد. ويتعين على منظمات المجتمع المدني الآن أن تثبت وجودها، ولابد وأن تطالب بالسماح لها بالاضطلاع بدورها في التخطيط لجهود إعادة البناء وتنفيذها، ومشاركة الجهات الدولية المانحة في العمل على ضمان إنفاق المساعدات حيث ينبغي لها، من خلال الشفافية والمراجعة العامة.

برويز هودبهوي أستاذ بجامعة كويد-ئي-عزام في إسلام أباد.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005

www.project-syndicate.org

التعليق