محمد أبو رمان

الإصلاح السياسي ومعضلة الإسلاميين

تم نشره في الخميس 20 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 03:00 صباحاً

  كان حديث رئيس الوزراء عدنان بدران واضحا وصريحا في لقائه مع صحافيي وكتاب "الغد"، ولم نشعر أن الرئيس لديه مستويات من الخطاب أو أجندات سرية وعلنية. ولعل هذه السمة هي أبرز ما يسجل لحكومة بدران، أي الصراحة والوضوح في الخطاب والممارسة. ولا يعجز أحد عن أن يتأكد من مصداقية الرئيس وذمته المالية الناصعة. ومن الواضح أن الحكومة تمكنت من وضع حد لكثير من السياسات والممارسات السابقة التي كانت تؤدي إلى تسيب في المال العام.

   الملاحظة السابقة هي للتأكيد على أنّ الاختلاف مع حكومة بدران لا يعني تجاوز الإيجابيات التي تسجل لها.

   الحكومة جاءت برؤية اقتصادية واضحة ورؤية سياسية ضبابية. وقد طغى الجانب الاقتصادي على الجدل الإعلامي والسياسي خلال الفترة الأخيرة، بينما ظل الجانب السياسي معلقا بانتظار مخرجات الأجندة، خاصة ما يتعلق بقانون الانتخابات الذي هو بمثابة حجر الزاوية في الحراك السياسي القادم. إلا أن الأجندة أبقت الوضع معلقا، على الرغم من توصيتها بالجمع بين قانون الصوت الواحد والقائمة النسبية دون أن تحدد لأيهما ستكون الأفضلية، وأعادت الكرة إلى الحكومة مرة أخرى.

وعلى الرغم من إصرار بدران أن الأمر متروك لمجلس الوزراء، وأنه لم يُبت به بعد، إلا أن حديثه -في "الغد"- يظهر بوضوح أن التوجه العام هو الإبقاء على هيمنة "الصوت الواحد" بينما ستعطى القائمة النسبية نسبة ضئيلة. أما فيما يتعلق بـ"الكوتات"، فتستبدلها الحكومة اليوم بمصطلح "الأقليات"، على قاعدة أن مصطلح "الكوتا" غير ديمقراطي، بينما يبقى مضمون الأقليات والكوتات واحدا!

   السؤال المطروح هو: كيف توفق الحكومة بين إصرارها على أنها حكومة إصلاح وأنها تسعى إلى التنمية السياسية وتكريس مفهوم التعددية السياسية وتنمية الحياة الحزبية، وبين إصرارها على مبدأ الصوت الواحد الذي هو حجر العثرة الرئيس في وجه التعددية المطلوبة وبناء التنمية السياسية؟

   الجواب عن ذلك يقدمه الرئيس، وهو الخشية من سيطرة حزب واحد على البرلمان واحتكار التمثيل السياسي في ضوء ضعف الأحزاب الأخرى؛ والمقصود بحزب الأغلبية (الواحد) هو "جبهة العمل الإسلامي" الذراع السياسي للإخوان المسلمين. لكن جواب الرئيس يعكس المعضلة الحالية في السياسة الأردنية، والتي تحد دوما من إمكانية تطوير الحياة السياسية وتنميتها. أما البديل الذي يشير إليه بدران فيتمثل بتنمية الأحزاب وظهور التنافسية بينها، الأمر الذي يسمح ببناء تعددية حزبية وسياسية حقيقية. وهو ما يعني تلميحا أن استحقاق الإصلاح السياسي سيبقى مؤجلا إلى حين أن تنمو الحياة الحزبية وتظهر أحزاب كبيرة وقوية في الساحة تكفل التعددية وعدم هيمنة الحزب الواحد.

   لكن انتظار أن تنمي الأحزاب نفسها هو الطموح الذي ننتظره منذ سنوات لكنه لم يتحقق، وما زلنا ندور في حلقة مغلقة لأن تنمية الأحزاب ليس له إلا طريق واحدة هو قانون انتخابات متقدم يسمح بالتنافس والتكتل، ولن نتجاز الحالة الراهنة إلا إذا تجاوزنا معضلة الإخوان. بيد أن تجاوز الإخوان لا يعني حظر الجماعة وحزبها -فالحزب هو باعتراف الجميع الحزب الأقوى والمتفرد في الساحة السياسية- وإنما في إتاحة الفرصة الكاملة له من خلال قانون انتخابات عصري، يسمح بوجود حزب الأغلبية في البرلمان أو على الأقل بتنافس حزبي حقيقي. عند ذلك ستوضع أفكار الحزب ورؤيته السياسية على المحك وستختبر الشعارات التي طالما رددها، وهو ما يشكل أيضا تحديا للأحزاب والتيارات السياسية الأخرى لتجاوز العجز والجمود، والتقدم بمبادرات، أو التجمع في تكتلات لتحقيق التنافسية والتعددية وتجاوز التهميش إن بقيت على حالها.

   أما الخوف الذي تبديه دوائر رسمية والعديد من القوى السياسية من انقلاب الإخوان على قواعد اللعبة أو مبدأ "الصوت لمرة واحدة" فهو غير ممكن، فالأصول السياسية راسخة وحدود النظام واضحة، وهي موضع إجماع وقبول حتى من قبل الإخوان أنفسهم. من ناحية أخرى، ليس من المؤكد أن الإخوان سيحظون بالأغلبية في حالة إقرار قانون القائمة النسبية أو إذا أخذ حظ وافر في قانون الانتخابات القادم بالتوازي مع قانون الصوت الواحد.

   الديمقراطية تعني التعددية السياسية والحزبية، والتعددية لن تتحقق إلا بقانون انتخابات متطور، وحزب الأغلبية -إن وجد- لا يعني "نظام الحزب الواحد"، فذلك نظام مرتبط بالتجربة الشمولية الاشتراكية، إنما يعني تحول الأحزاب من لغة الشعارات إلى الواقع والبرامج، وبدون ذلك سيذهب الحديث عن الإصلاح السياسي أدراج الرياح. وبدون ذلك -أيضا- ستبقى "مثالية الحل الإسلامي" تجتذب كثيرا من الشباب المتحمس العاطفي، ولن نتمكن من كسر الجمود إلا عندما توضع هذه الشعارات على محك الواقع!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق