فلتسقط حقوق الإنسان!

تم نشره في الاثنين 10 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 03:00 صباحاً

   العلاقة بين الأمم المتحدة وحركة حقوق الإنسان غامضة ملتبسة على الدوام. إذ سنجد من إحدى النواحي أن أيديولوجية حقوق الإنسان -وهي حقاً تمثل أيديولوجية بقدر ما كانت الشيوعية تمثل أيديولوجية ذات يوم، أو بقدر ما تمثل الليبرالية الجديدة أيديولوجية اليوم- تتمسك تمسكاً شديداً بالنواحي القانونية؛ فهي تستمد الشرعية من معاهدات واتفاقيات دولية ووطنية أخرى.

    ويأتي في مقدمة هذه المعاهدات، من بين اتفاقيات أخرى متساوية، إعلان الأمم المتحدة العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العام 1948. ومن المعروف أن حركة حقوق الإنسان الحديثة كانت وليدة للأمم المتحدة، والحقيقة أنها على أكثر من نحو لم تغادر بيتها الأصلي على نحو كامل قط.

    من ناحية أخرى، تعد الأمم المتحدة منبراً ممتازاً للإعلان عن المثل العليا لحقوق الإنسان، والمساواة، والحرية الشخصية والاقتصادية، أكثر من كونها محطة على الطريق إلى إنشاء حكومة عالمية (على الرغم من كل ما يتوهمه بعض المحافظين المتطرفين في الولايات المتحدة).

    والحقيقة أن الأمم المتحدة في جوهرها المؤسسي عبارة عن هيئة "بين حكومية"، يعمل أفرادها كافة بداية، من أصغر موظفيها وحتى أمينها العام، وفقاً لمشيئة الدول الأعضاء فيها، وفي المقام الأول تلك الدول الأعضاء القوية. ونتيجة لهذا التناقض العميق بين طموحات هذه المنظمة وبين ما يتم تفويضها للقيام به بالفعل، فإنها كثيراً ما تشكل حجر عثرة في الطريق أمام تقدم أهداف حقوق الإنسان بقدر ما تعمل في ذات الوقت على تحقيقها.

     ولا يحتاج المتشككون إلا أن يتذكروا عزوف أمين العام بعد الآخر، منذ يوثانت وحتى كوفي أنان، عن الاجتماع بضحايا انتهاكات حقوق الإنسان -بل وفي بعض الأحيان عدم السماح لهم حتى بدخول مبنى الأمم المتحدة- الذين شاء سوء طالعهم أن يولدوا في دول عظمى. وعلى الرغم من كل الالتزام الفكري من جانب الأمم المتحدة فيما يتصل بتأييد وتعزيز حقوق الإنسان، إلا أنها كانت حريصة كل الحرص على عدم إثارة استياء الصين أو روسيا باستقبال الناشطين في مجال حقوق الإنسان من التبت أو الشيشان.

    إحقاقاً للحق، لم يسبق لأي أمين عام للأمم المتحدة أن أظهر تقديراً أعظم لمبادئ حركة حقوق الإنسان، أو حاول (على المستوى الخطابي على الأقل) الربط بين الأمم المتحدة وبين تلك المبادئ أكثر، من كوفي أنان. لكن الخطابة ليست حقيقة واقعة بالطبع، وكثيراً ما كانت إعلانات الأمم المتحدة تبدو وكأنها في وادٍ بينما ممارساتها اليومية في وادٍ آخر.

    لكن الكلمات ليست في كل الأحوال بلا عواقب، وليس لأحد أن ينكر أن قضية حقوق الإنسان باتت أثناء ولاية أنان تحتل مرتبة عليا لم تبلغها من قبل في مجال المداولات والمشاورات الدولية. فضلاً عن ذلك، فقد كان اختيار أنان لرئيسة أيرلندا السابقة، ماري روبنسون، كمفوضة عليا للأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان، مفيداً إلى حد كبير فيما يتصل بتبني العديد من الدول النامية لبرنامج حقوق الإنسان، بعد أن كان يُنْظَر إليه فيما سبق باعتباره راية أجنبية ترفعها قوى التدخل الغربية.

   يقول المقربون من أنان إنه كان يأمل في تعزيز هذه النجاحات أثناء قمة الأمم المتحدة التي اختتمت مؤخراً. وفي شهر آذار الماضي كتب قائلاً: "يتعين على المنظمة أن تتعامل مع قضية حقوق الإنسان بنفس الجدية التي تتعامل بها مع قضايا الأمن والتنمية". ومن بين اقتراحاته الرئيسة؛ إلغاء لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي لا تحظى بأية مصداقية بين الدول الأعضاء -وهي في الواقع عبارة عن هيئة لا تملك أية آلية تسمح لها باستبعاد حتى أكثر الدول انتهاكاً لحقوق الإنسان مثل ليبيا، أو كوبا، أو زيمبابوي من عضويتها- وإنشاء مجلس جديد لحقوق الإنسان لا يتسامح مع مثل هذه الانتهاكات، على المستوى النظري على الأقل.

    من المتفق عليه بوجه عام أن القمة الأخيرة كانت فاشلة إلى حد كبير. حتى أن أنان ذاته سلم بهذا في خطابه الذي ألقاه بمناسبة افتتاح الجمعية العامة الستين للأمم المتحدة.

    هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى هذا الفشل؛ على سبيل المثال، قرار حكومة الولايات المتحدة الذي اتخذته في اللحظة الأخيرة بوضع المئات من الاعتراضات على جدول أعمال البيان الختامي للقمة، وهو الأمر الذي أدى إلى تقليص ذلك البيان الختامي في واقع الأمر إلى سلسلة من القواسم المشتركة التافهة. هذا فضلاً عن تشكك الدول النامية بشأن ما إذا كان هناك التزام أقوى من قِـبَل الأمم المتحدة تجاه حقوق الإنسان كما زعم أنان، أو أن الأمر كان مجرد شعار أخلاقي أو ما هو أسوأ من ذلك، مجرد مسوغ قانوني للتدخل العسكري من قِـبَل القوى الغربية.

    أولت الدول الأعضاء قدراً كبيراً من الاهتمام للحيل البارعة التي خرج بها عليهم الديبلوماسي جون بولتون، المناهض الشرس للأمم المتحدة والذي عينه الرئيس بوش مؤخراً سفيراً للولايات المتحدة في الأمم المتحدة. لكن الذي ضاع في غمار هذه المجادلات تلك التفاعلات الخبيثة بين عالم ثالث تنتابه الشكوك في أن تكون التدخلات الإنسانية المزعومة مجرد عودة إلى عهود الاستعمار، وبين إدارة أميركية تعشق اتخاذ القرارات الأحادية وتعتنق مفهوم الحرب الوقائية ضد أعداء تسوي بينهم وبين دول تنتهك حقوق الإنسان.

    ولأن إدارة بوش، كما يصر مسؤولوها على نحو متكرر، قد وضعت قضية تأسيس أنظمة ديمقراطية مستندة إلى مبادئ حقوق الإنسان -باستخدام القوة إذا لزم الأمر- على رأس أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فقد بات هؤلاء الذين لا يرون في التدخل الأميركي في أفغانستان والعراق سوى نزعة استعمارية عدوانية، ينظرون إلى حقوق الإنسان على نحو أكثر تشككاً. وعلى هذا، فقد أصبحت الأمم المتحدة، وعنان، والجماعات المدافعة عن حقوق الإنسان التي ربما كانت تشكل النصير الأكبر للأمين العام، فـي موقف عصيب لا يحسدهم عليه عاقل.

    كل هذا يذكرني بأحد الأفلام العظيمة التي عرضت مؤخراً، والذي يحكي قصة الديكتاتور الإسباني لويس بونويل. في بداية الفيلم، وقبل عرض الأسماء، نرى مجموعة من أفراد حرب العصابات الإسبان أثناء التمرد ضد نابليون وهي تساق إلى جدار حيث كان من المقرر أن تعدم رميا بالرصاص بواسطة فرقة إعدام. وفي مقدمة فرقة الإعدام رأينا جندياً فرنسياً يقف حاملاً العلم الفرنسي الثلاثي الألوان، وقد ظهرت عليه بوضوح الكلمات العظيمة "الحرية، والمساواة، والإخاء". سيق رجال المقاومة إلى الجدار، وبينما كان الجنود يرفعون بنادقهم إلى أكتافهم، صاح أحد المتمردين قائلاً: "فلتسقط الحرية!". وعلى ما يبدو، فإننا لم نحرز تقدماً كبيراً عن ذلك الموقف حتى الآن.

ديفيد ريف مؤلف كتاب "تحت تهديد السلاح: أحلام ديمقراطية وتدخل مسلح"، وكذلك الكتاب الذي نال استحساناً كبيراً وشهرة "فراش لقضاء الليل: الإنسانية في أزمة".

خاص بـ"الغد". حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005

www.project-syndicate.org

التعليق