الشريك الفلسطيني والشريك الإسرائيلي

تم نشره في الأحد 2 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 03:00 صباحاً

مع بيريز مرة أخرى

 

يُعرف شمعون بيريز في إسرائيل بانه مصنع للأفكار، وبخاصة تلك التي هي أقرب إلى الحلم منها الى الحقيقة. والمشكلة ليست بقابلية تطبيق هذه الأفكار، وإنما بقدر أكبر في تجاهلها لحقائق الصراع غير المنتهي على الأرض، وحقيقة أن إسرائيل (وليس العرب فقط) غير جاهزة لمثل هذه الأفكار. وعندما كان وزيرا للخارجية في حكومة رابين الثانية، طرح بيريز فكرة "الشرق الأوسط الجديد" التي ساهمت في نهاية الأمر في سقوطه عن سدة الحكم، لان الشعب الاسرائيلي في غالبيته لا يريد الشرق الأوسط الجديد كما لا يريد ذاك القديم، إذ تعتبر تلك الغالبية نفسها امتدادا لأوروبا.

وبالرغم من جنوح المركز في السياسة الاسرائيلية نحو يمين الوسط، إلا أن بيريز يصر -على مر السنوات-بأن الذي أطاح به ليس سوى العمليات الفدائية التي قامت بها حركة حماس عندما كان يتنافس مع نتنياهو في انتخابات العام 1996، وبعبارة أخرى، فإن الذي أدى الى تدهور عملية السلام هو حماس.

ومن هذه الزاوية بالتحديد نفهم موقف بيريز المعادي لحركة حماس. ففي مقابلة شاملة له مع صحيفة القدس الفلسطينية، يؤكد بيريز أن محاربة السلطة الفلسطينية لحماس هي المتطلب السابق لإنجاح عملية السلام. ويضيف بيريز أنه إذا ما نجح الفلسطينيون في إدارة  قطاع غزة فإن ذلك سيشجع الاسرائيليين على تقديم "تضحيات" من أجل السلام.

بدون شك، هناك صحة في مقولة بيريز، ونتفق تماما مع ضرورة أن ينجح الفلسطينيون في إدارة القطاع، وفي طرح نموذج ديمقراطي أقوى من النموذج الاسرئيلي الديمقراطي الاثني نفسه! وبالتأكيد فإن النموذج الفلسطيني الناجح لن يجعل الاسرائيليين يتنازلون عن طيب خاطر، وإنما سيعمل على إحراج اسرائيل، وخلق رأي عام ضاغط لمصلحة الفلسطينيين قد يثمر في نهاية الأمر.

لكن نظرية بيريز عن دور حماس في إفشال التسوية على المسار الفلسطيني تنم عن أحادية واضحة. فمع اتفاقنا بان حماس لعبت دورا سلبيا، وأنها ساهمت في تدهور عملية السلام، إلا أنه لا يمكن إغفال الدور الحاسم الذي لعبه غياب الشريك الاسرائيلي القوي بعد أن أجهز اليمين الاسرائيلي على اسحق رابين. وبيريز نفسه الذي حظي بدعم وتعاطف إقليمي وعالمي ومحلي بعد مقتل رابين تردد كثيرا في موضوع الانسحاب من الخليل، والمفارقة ان الذي وافق على هذا الانسحاب كان نتنياهو!

لعل من الجلي أن صعود وهبوط عملية السلام بعد مؤتمر مدريد كانا يتحددان بشكل كبير بعوامل تقلبات السياسة الاسرائيلية الداخلية؛ فقد أدت سيطرة اليمين الاسرائيلي على الحكم في أغلب السنوات التي أعقبت اغتيال رابين الى تصلب وتعنت الموقف الاسرائيلي. ولا يمكن فهم مبادرة شارون الانسحاب من قطاع غزة الا كاستجابة لإدراك بعض أركان اليمين الاسرائيلي للتغيرات الديموغرافية وخطورتها على يهودية الدولة، وليس كجزء من مشروع سلام واضح المعالم، على الأقل اسرائيليا. ومن هنا، فإن العائق الأكبر لتحقيق انطلاقة جديدة لعملية السلام تكمن في غياب مشروع للسلام لدى نخب اليمين الحاكمة في اسرائيل.

والمراقب للمشهد الاسرائيلي يدرك مدى الشرذمة في المواقف الاسرائيلية حيال عملية السلام برمتها. ومن هنا، فإن نجاح الفلسطينيين في ضبط الأمور يصب في مصلحة الفلسطينيين بالدرجة الأولى، لأن العالم وبصراحة لم يعد يتعاطف مع العمليات التي مصدرها حماس أوغيرها. ولا نعتقد ان الشارع الفلسطيني، الذي قدم آلاف الشهداء، بحاجة الى استعراضات عسكرية أو حتى "فلتان" أمني لا يخدمان الا في التنافس الداخلي، وخدمة الهدف الاسرائيلي الواضح، وهو الاستمرار في اتخاذ قرارات مصيرية بشكل احادي، وذلك نظرا لغياب شريك مقبول دوليا، عداك عن قبوله اسرائيليا.

باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية-الجامعة الأردنية

hassan.barari@alghad.jo

التعليق