جميل النمري

خيارات سورية

تم نشره في الخميس 29 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

لم يكن ينقص سورية هذه الشهادة الدراماتيكية من نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية اللبناني الياس المرّ الذي قرر "بق البحصة"، وأعلن في اتصال من زيورخ مع برنامج "كلام الناس"، الذي تبثه محطّة (L.B.C)، عن تلقيه تهديدا من اللواء السوري رستم غزالة، سبق محاولة اغتياله بسيارة مفخخة في 12 تموز الماضي.

الشهادة خطيرة جدا. فهي الاولى على هذا المستوى، وفي سياق يوضح نمط العلاقة التي بنتها سورية مع المسؤولين اللبنانيين. والمرّ هو صهر الرئيس لحّود. وقد اوضح ملابسات الخلاف الذي اوصل الى التهديد، والذي يكشف بدوره عن ورطة خطيرة اخرى هي العلاقة مع شبكة ارهابية خططت لضرب السفارة الايطالية في لبنان. 

والشهادة تعطي لأول مرّة خيطا يربط اغتيال الحريري بسلسلة الاغتيالات اللاحقة، وآخرها تفجير سيارة الصحافية ميّ شدياق، وقد تكون الحادثة التي جعلت الكيل يطفح مع الوزير المرّ.

الشهادة ستعطي دفعة لتوسيع وتطوير التحقيق، وقد تعني تمديدا لمهمة ميليس. وبالطبع، لا يمكن تبني اية رواية، بانتظار النتائج. لكن سياسيا لا يمكن تجاهل ان سورية اصبحت في موقف أسوأ كثيرا، رغم النفي القاطع والغاضب لتصريحات المرّ. واستمرار مسلسل التفجيرات والاغتيالات حتى الساعة يحمل معنى الايغال في التورط بلا رادع.

النظرية التي تحمّل اغتيال الحريري لجهات خارجية سقطت في ضوء التحقيقات الجارية. وتستمر التحقيقات بعد اعتقال قيادات أمنية لتشمل تواطؤا في محاولة اخفاء الادلّة، مثل محو مكالمات، واخفاء وتمويه خرائط اعمدة الارسال. والشائعات الساخنة تدور الان حول سير التحقيق مع القيادات الامنية السورية، وهي حسب ما يقال تشمل قيادات من وزن آصف شوكت رئيس الاستخبارات العسكرية، وبهجت سليمان الذي تنحى عن قيادة المخابرات من فترة وجيزة، وتصل الى ماهر الاسد شقيق الرئيس، هذا طبعا اضافة إلى القيادات المسؤولة سابقا في لبنان؛ غازي كنعان ثم رستم غزالة. امّا الشائعات عن الصفقات المحتملة فتحمل تنويعات مختلفة، تبدأ بالتخلي عن أو التضحية بتلك القيادات، ولا تنتهي عند أثمان سياسية مثل دعم نزع سلاح حزب الله، وانهاء وجود الفصائل الفلسطينية في دمشق، والتعاون الشامل في موضوع العراق... الخ.

هناك طرف حبل تم الامساك به الان بكل قوّة، وهو يلتف بتؤدة حول عنق النظام في سورية، فما هو حجم الابتزاز الذي ستخضع له سورية على الطريق دون ان يعني بحال الافلات نهائيا من الحبل؟!

سيناريو المستقبل يبدو قاتما بالنسبة للنظام كما هو عليه الان، والخوف كل الخوف ان تعاند دوائر الحكم القيام بتدبيل مدروس جوهري وحاسم من الداخل. فالتفسخ تحت الضغط الخارجي وتمرد قوى داخلية قائم، ودون حاجة إلى تدخل على الطريقة العراقية. والتنازلات لن تريح النظام من الابتزاز، اما التغيير الحقيقي للمعادلة كلها فهو القبول الداخلي والسلمي بالتحول الى نظام ديمقراطي لا يكون مسؤولا عن اخطاء الماضي التي سيتحملها، وفق ما ينتهي اليه التحقيق، افراد بعينهم وليس الدولة كلها. هذه المطالبة تبدو مثالية؟! نعم، تماما كما كانت مثالية بالنسبة للعراق، الذي بح صوتنا في حينه ونحن ندعو الى هكذا تحوّل استباقا للاحتلال والكوارث التي لحقته!

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق