ما العيب في أن يوجد بين العرب من يتحمّل مسؤولياته؟

تم نشره في الأحد 25 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

   بعيدا عن أجواء الإثارة والمزايدة والكلام الفارغ والشعارات الطنانة التي لا تذكر سوى بتلك الشعارات والأهازيج التي قادت الى هزيمة 1967، نجد أن هناك اطرافا عربية تمتلك ما يكفي من الرؤية السياسية والواقعية للاستفادة من تجارب الماضي القريب والبعيد في آن. إذ تسعى هذه الأطراف، بكل بساطة، الى تفادي السقوط في تجارب مريرة جديدة تقود الى عزلة للعرب من جهة، والى ترك الفلسطينيين تحت رحمة السياسة الاستعمارية الإسرائيلية من جهة اخرى.

    هذه الأطراف العربية تعي تماما أن التخلي عن الجانب الفلسطيني والاكتفاء بتأييده بواسطة الكلام ليس الاّ، خصوصاً في هذه المرحلة بالذات، مرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة، يشكل أكبر خدمة يمكن أن تقدم لآرييل شارون ومشروعه الهادف الى التخلص من القطاع بغية تكريس الاحتلال لجزء من الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشريف.

    ولذلك، كانت الشجاعة الحقيقية في ما أقدم عليه الملك عبدالله الثاني، الذي لم يكتف بلقاء شارون كي يعرف مباشرة ماذا يريد الرجل في المرحلة المقبلة، بل التقى الرئيس بوش الابن لاحقا، ليجد طلبا من أجل القيام بمد الجسور بين شارون والرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي عليه أن يقاتل على غير جبهة. إنه يقاتل من أجل ألاّ يكون الانسحاب من غزة نهاية المطاف بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مع بعض التعديلات التي تجعل من "الجدار الأمني" الحدود النهائية لدولة إسرائيل. وكان ملفتاً أن يأتي الطلب بمبادرة أميركية، عكست الى حد كبير الثقة بالأردن والملك وبالمؤسسات الأردنية.

    كان هناك ثلاثة أنواع من العرب في نيويورك حيث انعقدت القمة الدولية قبيل افتتاح دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة. كان هناك المنشغلون بمشاكلهم الداخلية، ومهمتهم الأولى الظهور بمظهر القادر على مواجهة العواصف والاتهامات، من أجل إثبات قوة النظام الذي هو بمثابة أولوية الأولويات لهؤلاء العرب. وكان هناك من يعتقد أن الدعم الكلامي أكثر من كاف لخدمة الشعب الفلسطيني وقضيته، وان الكلام المنمق الذي يرافقه هجوم على اسرائيل هو الطريق الأقصر لاستعادة الحقوق الفلسطينية والعربية... أو لاستمرار المتاجرة بهذه الحقوق.

    ومن حسن الحظ، كان هناك نوع ثالث من العرب، ليست لديه عقدة تلك النكتة السمجة التي تسمّى التطبيع في منطقة ليس فيها من يطبّع ولا من يطبّعون. هذا النوع من العرب، الذي هو على تماس مع ما يدور في العالم، والذي يريد بالفعل خدمة الشعب الفلسطيني والتضحية من أجله والمساهمة في نشر الاستقرار في الشرق الأوسط بدل، تركها تحت رحمة الاحتلال الإسرائيلي، هذا النوع اجرى اتصالات مكشوفة مع المسؤولين الإسرائيليين في نيويورك. وجرت هذه الاتصالات تحت الأضواء، وغطاها الإعلام العربي والدولي. فقد التقى العاهل الأردني رئيس الوزراء الإسرائيلي، والتقى الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، النائب الأول لرئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، وايضا التقى وزير الخارجية الإسرائيلي. كذلك فعل السيد عبدالوهاب عبدالله، وزير الخارجية التونسي الجديد؛ وكان لقاؤه مع وزير يهودي من أصل تونسي، أي من بلد اسمه تونس، يؤمن بالتسامح، وهو بلد قدم الكثير للقضية الفلسطينية ولا يحتاج الى شهادة في الوطنية من أحد. يكفي ان تونس استضافت القيادة الفلسطينية ما يزيد على عقد من الزمن في وقت كان هناك بين العرب من يزايد على هذه القيادة ويخونّها من اجل القضاء عليها، وذلك باسم الوطنية احيانا ومن أجل خدمة اسرائيل في كل الأحيان.

    نعم، كان هناك نوع ثالث من العرب في نيويورك، نوع  يؤمن بأن أفضل خدمة يمكن أن تقدم لإسرائيل تكمن في تجاهل ان شيئاً ما حصل في غزة، وأن ثمة واقعاً جديداً لا مفر من التعاطي معه. يتمثل هذا الواقع في أن الجانب الفلسطيني يعيش حالا من الفوضى حالت دون تمكن "أبو مازن" من المجيء الى نيويورك تاركا الساحة لآرييل شارون الذي ألقى خطابا جعله يظهر أمام العالم بمظهر "رجل السلام"، في حين أنه يمارس أسوأ أنواع الإرهاب عندما يصر على احتلال الأرض الفلسطينية والأرض العربية.

    هناك، بكل بساطة، فراغ لابد ّمن سدّه. هذا الفراغ ليس ناجما عن الحرب التي تشنها قوى فلسطينية مدعومة من قوى أقليمية على السلطة الوطنية فحسب، بل إنه ناجم ايضاً عن حرص الجانب الإسرائيلي على التأكيد يومياً ان لا شريك فلسطينياً يسستطيع التفاوض معه. وفي انتظار ظهور هذا الشريك، ستتابع إسرائيل بناء "الجدار الأمني" بحجة أنها تريد حماية نفسها من الإرهاب.

    في ضوء هذه المعطيات يبدو الخيار واضحاً. انه بين ترك إسرائيل تفعل ما تشاء، متذرعة بغياب الشريك الفلسطيني، وبين السعي الى إعادة مد الجسور معها بغية دعم الرأي العام الذي يريد السلام في الدولة اليهودية وإقناعه بأن هناك بالفعل شريكا فلسطينيا، وأن هذا الشريك ليس تحت رحمة هذه المنظمة أو الحركة الإرهابية الفلسطينية أو تلك، بل يحظى بدعم وعمق عربيين. والواقع، شئنا أم أبينا، هناك عامل مهم في المعادلة الفلسطينية–الإسرائيلية اسمه الرأي العام الإسرائيلي، الذي لا مفر من أخذه في الاعتبار في أي تعاط مع الدولة اليهودية.

    ليس عيبا أن يقابل مسؤول عربي شارون أو غير شارون إذا كان ذلك يخدم الشعب الفلسطيني والاستقرار في المنطقة. وعندما يتوجه الملك عبدالله الثاني للقاء الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي، يمكن القول منذ الآن ان النتيجة الأولى لما يقوم به، بدعم اميركي، هو تأكيد أن هناك شريكاً فلسطينياً في عملية السلام... وان العرب، أقله بعض العرب، على استعداد لتحمل مسؤولياتهم على كل الصعد بدل الهروب منها وتحميلها لآخرين. ما العيب في أن يوجد بين العرب من يتحمّل مسؤولياته، ومن يريد التعاطي مع الواقع وليس مع الأوهام؟

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق