محمد أبو رمان

رفع الأسعار والأمن الاجتماعي

تم نشره في الاثنين 19 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

نجحت الحكومة الحالية في الجانب الإعلامي، وتمكنت من وضع المواطنين والقوى والمؤسسات السياسية أمام الخيارات المحدودة للحكومة التي تبرر اللجوء إلى رفع الأسعار. وربما يُكبرُ كثير من الناس والمحللين في الحكومة إصرارها على مواجهة الأزمة الاقتصادية وعدم ترحيلها إلى مراحل لاحقة وحكومات قادمة خوفا من العواقب السياسية والتأييد الشعبي.

خطاب الحكومة الإعلامي يصر على أنّ الوضع المالي مطمئن، وأنّ أداء الاقتصاد في أحسن مراحله، وأنّ الأزمة الحالية هي أزمة عابرة ناجمة عن عاملين؛ الأول ارتفاع أسعار النفط عالميا، والثاني انتهاء المنح النفطية التي كانت تخفف كثيرا عن ميزانية الدولة. بالتالي، فإن الحكومة وفقا لكلام رئيس الوزراء أمام خيارين: إما أن تتحمل الدولة ثمن فاتورة النفط كاملة، وهذا يهدد مستقبل الاقتصاد الوطني بأسره ويتعارض حتى مع الالتزامات المالية الدولية للأردن، وإما أن يتحمل المواطنون جزءا من فاتورة النفط مما يمنع تفاقم العجز في الموازنة إلى حالة أخطر.

ناقش العديد من الكتّاب خطاب الحكومة الاقتصادي وقدموا رؤيتهم للبدائل أو السياسات المطلوبة للحد من أثر رفع الدعم عن النفط على الطبقة العريضة من المواطنين، وتتلخص ملاحظاتهم بأهمية الإصلاح الضريبي من ناحية، وإعادة النظر في قوانين وتسهيلات الاستثمار من ناحية ثانية، بحيث تنعكس عائداته على شريحة أوسع من المواطنين.

في تقديري، فإن سؤال الأزمة الحالية لا يرتبط فقط بالبحث عن بديل لرفع الدعم أو حلول جزئية آنية، وإنما يتطلب الأمر مراجعة كاملة وموضوعية لسياسات الإصلاح الاقتصادي، وضمنها الخصخصة، والنتائج التي وصلنا إليها بعد سنوات من الالتزام ببرامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. والمراجعة المطلوبة لا تعني -بالضرورة- الرجوع عن التحول إلى اقتصاد السوق وتعزيز دور القطاع الخاص والعودة إلى دور القطاع العام ومفهوم الدولة "الرعائية"، لكن بمعنى دراسة وتقييم كامل برنامج الإصلاح الاقتصادي وأبعاده المختلفة.

في هذا السياق، تتمثل المشكلة الرئيسة في أن برنامج الإصلاح الاقتصادي لم يقترن بخطة عملية واضحة لحماية الصناعة الوطنية وتعزيز إمكانية الاقتصاد المحلي على المنافسة، في إطار رؤية تنموية عميقة، تضع مسارا عاما لتطور الاقتصاد الأردني والدوائر التي يمكن أن يحقق النمو الاقتصادي فيها نجاحات واختراقات تساعد على إيجاد توازن بين القطاع الخاص والقطاع العام، وتضمن توفير القطاع الخاص لفرص عمل موازية لتلك التي يوفرها القطاع العام.

على النقيض من ذلك حدث تطور عشوائي غير مدروس للقطاع الخاص، دون تحديد سياسات تضع القطاع الخاص ونشاطه ونموه في خدمة التنمية الشاملة. في المقابل، لا يزال جهاز الدولة متضخما وعاجزا ومكلفا، يعاني في جزء كبير منه حالة من الترهل. كما أن القطاع الخاص لا يزال غير قادر على أن يمثل بديلا عن القطاع العام. حتى المناطق الصناعية المؤهلة (QIZ) التي كان يتوقع أن تحرك النمو الاقتصادي لم تسهم إسهاما حقيقيا في ذلك، فإمّا أنها استقدمت عمالة أجنبية، وإما أنّ العمال الأردنيين الذين يعملون فيها لا يحصلون على رواتب مناسبة، ضمن شروط قانونية تحمي العمال وتصنع مجالا لحياة كريمة لهم. كما أنّ الأرباح التي تجنيها الشركات الاستثمارية من هذه المناطق وتزايد حجم الصادرات لم ينعكس على النمو الاقتصادي الوطني.

من جهة أخرى، لم يكن برنامج الإصلاح الاقتصادي مبنيا على توزيع عوائد التنمية والنشاطات الاقتصادية، إذ تركّز أغلب النشاط الاقتصادي والمالي في العاصمة عمان، في حين بقيت المدن الأخرى تعاني من غياب النشاط المالي وعدم وجود مشاريع تنموية تحرك الحالة الاقتصادية فيها، ومن ثم أصبحت هذه الأقاليم مراكز للبطالة وموطنا لجيوب الفقر، ما أدى إلى خلل في التوازن الاجتماعي-السياسي في البلد، ناجم عن اختلال المعادلة الاقتصادية، الأمر الذي أدى أيضا إلى إخلال بالتوازن الاقتصادي الديمغرافي التاريخي في الأردن.

أما الملاحظة الأهم، فهي أنّ الخصخصة وتراجع الدولة عن دورها الاقتصادي لم يكن مصاحبا لبرنامج اجتماعي مواز يحمي الطبقات الفقيرة والمعدمة من غائلة الفقر، ويكفل بناء مشاريع اقتصادية وتوزيع عوائد التنمية لتشمل طبقة عريضة من الناس، وبدلا من ذلك فقد انكشف غطاء الدولة عن كثير من المواطنين الذين شعروا بالتهميش وعبء الحياة اليومية. وباعتراف الحكومة، فإنّ برامج المعونة الوطنية والعديد من السياسات الأخرى لم تنجح في التخفيف من مشكلة الفقر وخطورته وامتداده داخل كثير من الشرائح الاجتماعية، كما أن هناك عدم وضوح في دور وزارة التنمية الاجتماعية والجمعيات الخيرية ومؤسسات تنمية المجتمعات المحلية، فلا وجود لخطط مرحلية واضحة متسقة على المستوى الاستراتيجي الوطني للتعامل مع قضية الفقر والبطالة.

إننا معنيون اليوم بالتوقف جديا أمام برنامج الإصلاح، وبالتحديد عند الملاحظات الاجتماعية المتعلقة به بالنظر إلى  خطورتها، فالمسألة ليست مرتبطة بتبرير رفع الدعم أم لا، ولكن بمناقشة حصاد برنامج الإصلاح والخصخصة وإعادة النظر في مساره وآثاره المختلفة. وما يحدث اليوم، خلافا لخطاب الحكومة، هو انعكاس لخلل في جوهر سياسات الإصلاح وليس لعارض رفع الأسعار. بالتأكيد حقق الأردن حركة اقتصادية جيدة من هذا البرنامج ومن قوانين تشجيع الاستثمار، لكن هذه الحركة، لم تنعكس على دور الاقتصاد في خلق تنمية وطنية متوازنة، بل على النقيض من ذلك حدثت فجوة اجتماعية كبيرة بين الناس.

الاختلاف مع الحكومة يكمن اليوم -بدرجة أكبر- في عدم وجود تقدير حقيقي لتداعيات وآثار سياسة الحكومة في تحرير الموازنة من الأعباء الكبيرة، خاصة دعم المحروقات والتعليم... الخ، على التوازن والاستقرار الاجتماعي. وإذا استثنينا العدد الكبير من الموظفين والعمال في القطاع الخاص، أو "عمال المياومات" ممن يحصلون على دخول متواضعة، فإن مئات الآلاف من موظفي الدولة معرضون لخطر عجز دخولهم الشهرية عن تغطية متطلبات حياتهم الرئيسة، ما يعني ضعف القدرة الشرائية لدى الناس، وهذا بالتأكيد سيدفع موظفي الدولة إلى محاولة التكيف و"التحايل" على هذه الظروف، وقد يؤدي إلى انتشار فساد أخلاقي خطير داخل المؤسسات الحكومية، التي تتميز في المنطقة بحفاظها على درجة من المؤسسية والمهنية.

المسألة -باختصار- مرتبطة بالطبقة الوسطى وأثر هذه السياسات المدمر لهذه الطبقة، التي تمثل -كما هو معروف- صمام الأمان لأي مجتمع. وإذا كان ضعف الطبقة الوسطى وانتشار "جيوب الفقر" يمثل مصدر قلق سياسي وأمني، فإن الأخطر من ذلك حالة الأمن الاجتماعي والأخلاقي والثقافي، والأمثلة على تداعيات انهيار الطبقة الوسطى في العديد من الدول تغني عن الشرح!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق