الانتخابات المصرية: خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح

تم نشره في الخميس 8 أيلول / سبتمبر 2005. 02:00 صباحاً

 ثمة حراك سياسي وديمقراطي في غاية الأهمية في مصر منذ أمد ليس ببعيد، توّج مؤخرا بقرار تغيير المادة 76 من الدستور المصري بما يسمح بإجراء انتخابات رئاسية تعددية، يتنافس فيها الرئيس الحالي حسني مبارك مع مرشحين آخرين، وهو ما يحدث لاول مرة في تاريخ مصر الحديث، حاملا دون شك صدى واضحا وإيجابيا في المنطقة ككل. وهذه بشرى سارة لكل العرب الذين يرغبون حقا في حدوث عمليات تداول سلطة سلمية وحقيقية، يقرر نتائجها الشعب وليس غيره، بحيث تعيد مثل هذه الانتخابات السلطة للشعب كمصدر للشرعية السياسية للنظام، وبالتالي القدرة على عزل أيا كان من ناحية ثانية.

    يدور الجدل بين المثقفين العرب حول اهمية هذا الحدث، وليس هناك اتفاق على أصالة هذا الحراك؛ إذ يرى فريق أن الخطوة هي في الاتجاه الصحيح، وسوف تثوّر الكثير من المفاهيم في المنطقة العربية التي تفتقد لحراك ديمقراطي راق. ويضيف أصحاب هذا الرأي، بأنه وبالرغم من حتمية فوز الرئيس مبارك في الانتخابات، الا ان ما يهمهم هو الحداثة والتجديد في الفكرة، وليس نزاهة الانتخابات من عدمها. ولا يمانع هؤلاء في المشاركة في هذه العملية والدفاع عنها، حتى مع ثمن إعادة انتخاب الرئيس حسني مبارك، الذي يخوض بدون شك منافسة سهلة نوع ما.

    أما الاتجاه الثاني، فهو يشكك في جدية الخطوة المصرية، ويذهب البعض إلى القول انها ستضفي شرعية على نظام يعاني من إشكالية الشرعية السياسية. ويضيف أصحاب هذا الرأي بان الرئيس مبارك بعد انتخابه سيكون أكثر تفردا بالسلطة، وسيمتلك جرأة أكبر لاستئناف سياساته "غير الشعبية" بحجة امتلاكه شرعية جديدة. وهذا الكلام بطبيعة الحال خلافي وإشكالي، ولا يستند إلى تحليل علمي، وإنما ينبع من حالة التشكيك التي تميز العقل الجمعي السياسي العربي. ولعل استبعاد الاخوان المسلمين من المشاركة في العملية هو أهم ما يعزز رأي المتشككين في الانتخابات.

    وفي الحقيقة، يخطئ من يظن أن استبعاد أي فريق سياسي من المشاركة السياسية سوف يعمل على إلغاء هذا الفريق أو ذاك، بل قد تزداد قوته في الشارع وليس العكس، وتاريخنا العربي مليء بالأمثلة التي تدلل على ذلك. ولعل الدول التي اتبعت سياسة "الإدماج (التضمين) السياسي" كانت وما زالت الأقدر على توفير الأمن والاستقرار مقارنة بالدول التي اتبعت سياسات إقصائية.

    وبالرغم من أن الجدل غير محسوم لصالح أي رأي، الا ان ذلك لا يمنع من التفاؤل بمستقبل مصر في ظل نظام منتخب. واستنادا إلى ذلك، يمكن الحديث فعلا عن مقدمات تداول سلطة سلمي وحقيقي في احدى الدول العربية المهمة. وتخلق خطوة كهذه ديناميكية سياسية واجتماعية داخل مصر، ستفضي في نهاية الأمر الى إرجاع السلطة الى الشعب المصري العريض بدلا من احتكارها من قبل مجموعة ضيقة من الاشخاص الذين يرسمون كل برامج الدولة، دون شراكة فعلية وشعبية في صناعة القرار.

    ما نأمله نحن المتابعون هو أن تؤدي أول انتخابات رئاسية تعددية في بلد عربي مهم وبوزن مصر الى إنعكاسات كبيرة وإيجابية في الشارع العربي، الذي ما زال يناضل من أجل "الدمقرطة" الحقيقية، التي يعتقد انها ستساعده على حل الكثير من المشاكل التي أخفقت النظم الحالية في معالجتها. وتكمن أهمية ذلك أيضا في ان التغير جاء في اكبر دولة عربية والتي طالما نظر اليها العرب باعتبارها الدولة-القائد في منطقة متقلبة.

    والحديث عن أسباب التغيير يفتقد اهميته أمام أهمية الحدث ذاته؛ فلا يهم ما إذا كان التغيير لاسباب وضغوطات خارجية ام داخلية، رغم ان هناك تزامنا بين النوعين من الضغوطات التي يبقى المستفيد الاول منها الشعب المصري. ولا يمكن التقليل من اهمية أن النظام في مصر بدأ يدرك استحالة استمرار الوضع السياسي المحتقن دون تغير قواعد اللعبة.

    ودون شك، ستنتقل هذه القراءة الى دول عربية اخرى، على أمل ان يؤدي هذا الحراك بمجمله الى إقليم ديمقراطي مزدهر وسلمي.وفي ظل هذا التفاؤل بما يجري في مصر، علينا تذكر ان العملية الديمقراطية مختلفة عن الليبرالية التي تنادي بالحريات العامة والفردانية وصيانة حقوق الأقليات... ولا يمكن نضوج أي نظام ديمقراطي دون تبني قيم الليبرالية على مستوى المجتمع والحكم على حد السواء، ولا يمكن صيانة حقوق الافراد والمواطنين والاقليات حتى في ظل اعتى نظام ديمقراطي في العالم دون ان تكون القيم الليبرالية هي السائدة.

باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية-الجامعة الأردنية

hassan.barari@alghad.jo

التعليق