د.باسم الطويسي

إصلاح القوة العظمى

تم نشره في الأربعاء 7 أيلول / سبتمبر 2005. 02:00 صباحاً

 الانكشاف الأمني والاستراتيجي والأخلاقي الذي منيت به الولايات المتحدة في مواجهة "إرهاب الطبيعة" في الولايات الجنوبية، قبل ايام قليلة من مرور ذكرى الاختراق الأمني الكبير في الحادي عشر من ايلول 2001، يوضح حجم الاسترخاء الاستراتيجي الداخلي الذي تحياه القـوة العظمى، في الوقت الذي تشغل العالم في الخارج بصخب الامن والسياسة وحقوق الإنسان وإصلاح النظم.

    فالمأساة الإنسانية الأميركية التي راح ضحيتها أكثر من عشرة آلاف إنسان، كان يمكن تفادي الكثير منها لو وجدت إجراءات وإدارة رشيدة تليق بدولة عظمى. وهذه الكارثة تضع العالم بأكمله امام سؤال كبير: كم تحتاج هذه القـوة العظمى إلى إصلاح من الداخل؛ إصلاح ينال نظم الأمن والطوارئ وحقوق الإنسان والمواطنة والقدرات التوزيعية والعدالة، وصولاً إلى السياسات الخارجية التي أنهكت الشعب الأميركي ذاته، وكشفت حجم الفجوة التي يحياها بين ما يدعيه الخطاب الرسمي والواقع الذي يحياه الناس، لا فرق في ذلك مع الحروب الأميركية في الخارج ونارها التي تأكل الأخضر واليابس، والسياسات الظالمة التي أوصلت العالم إلى حالة من الهذيان الامني المستعصي على العلاج؟

    مشاعر العرب والمسلمين في مختلف انحاء العالم تحمل فيضاً من التعاطف والتضامن مع مجتمعات الجنوب الأميركي، ورغم مشاعر الغضب من الولايات المتحدة الرسمية وعنجهية سياساتها وظلمها التاريخي لقضايا شعوب عديدة في العالم، وفي مقدمتهم العرب، لم تتحول هذه المشاعر إلى مواقف شماتة مما يحدث هذه الأيام للقـوة العظمـى، بل ان مضامين وسائل الإعلام العربية في اغلبها، ونبض الشارع العربي، عبرا بكل صدق عن تضامن تعكسه روح إسلامية أصيلة، هي الضمير الحضاري الحقيقي لسماحة الإسلام الذي تعبر عنه شوارع عمان والقاهرة وبيروت، لا ذلك الإسلام الذي خلقته معسكرات كابول وقندهار ومعتقلات غوانتانامو، والذي طالما روج له بأنه حاضر الإسلام ومستقبله!

    خلال ايام المحن الأميركية الراهنة كان العرب الرسميون هم الاكثر كرماً مع الولايات المتحدة. وتتحدث الأرقام عن مبالغ تصل إلى اكثر من مليار دولار سيقدمها العرب بدون منة أو شماتة، وهو ما يذكرنا بافتتاحية "الواشنطن بوست" قبل أسبوعين لا اكثر، والتي جاءت بعنوان استفزازي "الخزي للعرب"، وحملت توبيخاً قاسياً للنظم العربية التي –حسب الصحيفة- كانت بخيلة في مد يد العون لضحايا السودان! ولعلها مفارقة طريفة تكشف ما يحتاجه النظام الإعلامي الأميركي هو الآخر من إصلاح.

    أحوال الولايات المتحدة، في أجواء مناخ كاترينا، تجعل العالم اليوم يملك شرعية المطالبة بإصلاح القوة العظمى، فقد أثبتت الاحداث والوقائع ان الولايات المتحدة لا تقل حاجـة إلى الحكم الصالح عن الكثير من دول العالم. ويبدو ان انفراد الولايات المتحدة على قمـة هرم القوة في العالم منذ سنوات، قد خلق فجوة بين الإدارة ومراكز المعلومات والبحوث واستشراف المستقبل، وحتى مراكز الإنذار المبكر، وربما وصل الأمر إلى الأجهزة الأمنية ذاتها. والمسافة الفاصلة بين كارثة الحادي عشر من ايلول وكارثة الولايات الجنوبية في ايلول الحالي تؤكد سلامـة هذا الاستنتاج، فالإرهاب يتصاعد ولا يقل، والحرب التي تقاد في مواجهته تثبت الاحداث كل اليوم إخفاقها، وحالة الانضباط الدولي وراء القوة العظمى تتراجع باستمرار، ولا قيمـة للمعلومات المسبقة أو التغذية الراجعة، إذ تعود العالم من الرئيس ومستشاري الأمن القومي ووزراء الخارجية والدفاع التبرير الدائم بأنهم كانوا ضحية معلومات خاطئـة أو معلومات غير دقيقة، على الرغم من ان العالم كله يعلم الحقيقة!

    دائماً يتردد التعبير عن حاجة الولايات المتحدة إلى إصلاح سياساتها الخارجية ومواقفها من القضايا العالمية، إلا ان الكارثة الراهنة أماطت اللثام عن حاجـة للإصلاح الداخلي، وعلى المستوى الأخلاقي والحضاري؛ فالأهم من تباطؤ وصول المساعدات وجهـود الإنقاذ  واسترخاء الدولة في وجه الكارثة، والاهم من عدم الاهتمام بالمعلومات المسبقة حول حجم الإعصار واحتمالاته، والاهم من المعلومات التي تتحدث عن فساد في تنفيذ السدود على المسيسبي؛ الأهم من ذلك كله يبدو في العودة إلى تراث حراس العادلة المعاصرين، أن نصحو على صدمة كبرى بان العالم المتحضر وحده ما زال يمارس تقاليد العنصرية والتفرقة حسب اللون. وحديث عمدة المدينـة الأميركية المنكوبـة "نيو اورليانز" الذي ردد فيه بأن ما يحدث "عار على أميركا"، يثبت ان السود هم الآخر الأميركي، المستلب الحقوق. هكذا ينتهي الحلم الأميركي في الجنوب، الذي شهد بأيدي هؤلاء الأفارقة أول السنابل، وأول حقول الذرة التي صاغت المستقبل الأميركي.

    نتضامن جميعاً مع ضحايا الولايات المتحدة، مع الأطفال والنساء والشيوخ والرجال الذين لا حول لهم ولا قوة أمام إرهاب حقيقي تخوض معركته الطبيعية، ولعلها المناسبة المفجعة التي كشفت للعالم كم هي حاجة القوة العظمى للإصلاح.

basim.twissi@alghad.jo

التعليق