مواجهة الفكر المتطرف تقتضي الاعتراف

تم نشره في الثلاثاء 6 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

 تحل علينا مجددا ذكرى11 سبتمبر، بثقلها وكل ما جلبت علينا من أضرار لا تحصى، ولا تزال مشكلتنا الكبرى مع تلك الحادثة هي حالة "الانكار" التي عشناها ولا نزال نعيشها.

    استمرت معنا حالة الانكار هذه لسنوات، وتدريجيا تقبّلنا الحقيقة المؤلمة؛ إنّ بعضا من ابنائنا أصابتهم لوثة تطرف، وانهم ابتدعوا فقها جديدا في الجهاد، حللوا به ما حرّم الله خاصة في الدم والرقاب، اعترافات "ابطال غزوة مانهاتن" المتلفزة ساهمت في جلاء بعض من حالة الانكار، أعقبتها تفجيرات المحيا واشبيليا والدار البيضاء وشرم الشيخ لتدواي ما بقي عندنا من تردد وانكار.

   ولكننا نحن السعوديين، انتقلنا إلى حالة انكار أخرى، فرفضنا حقيقة دور شباب سعوديين فيما يسمى الجهاد في العراق، وان كثيرا وكثيرا من الانتحاريين هناك من ابنائنا، ومثلما كان انكار 11 سبتمبر مضرا فإن انكار ما يفعله بعض السعوديين في العراق أكثر ضررا.

   في كل مجلس نسمع قصة عن ذلك الشاب، المعلم، الطالب، الجندي، الموظف، الذي طلب إجازة من رئيسه ولم يعد ثم اكتشف زملاؤه أنّه في العراق، أو الذي قال إنه مسافر في عمرة ليعود مخفورا من سورية، حتى الصحف تنشر قصة وأكثر كل يوم، مواقع الانترنت تحتفي "بالشهداء والأبطال". ولكننا نصر على الإنكار. إننا أمام كارثة تستدعي اهتماما امنيا وفكريا لمنع تفاقمها، في البداية شكّننا في صحة وجود سعوديين بين من يقتُلُون ويُفجِّرون في العراق، ثم قبلنا بعدما قبض على بعضهم وعرضوا على شاشات التلفزيون العراقية، فأخذنا ننكر أنهم بأعداد كبيرة كما يتواتر على لسان اشباح الانترنت، او تلميحات بعض "الدعاة" الذين يتحدثون عنهم بمزيج خبيث من الاعجاب والعتب بانهم يزجون بأنفسهم في مخاطر في ساحة متداخلة كثير دخنها تفتقر إلى راية جلية.

    ثم أخذنا ننكر أنهم اولئك الانتحاريون الذين يفجرون انفسهم في المدنيين العراقيين فقلنا انهم يجاهدون القوات الأميركية فقط، نموذج لذلك ما يؤكده مراسل صحيفة الوطن عندما يروي قصة "المجاهد" سلطان فيحان العتيبي الذي كان ممرضاً في أحد القطاعات الحكومية والذي سافر سراً إلى العراق وانضم إلى المقاتلين ضد القوات الأميركية هناك حسبما تجزم به مصادر الوطن التي أضافت أن العتيبي كان يرفض العمليات الانتحارية واستخدام الأحزمة الناسفة وإنه كان يقاتل بواسطة الكلاشنكوف وقتل مع مجموعة من المقاتلين العرب في العراق أثناء تبادل لإطلاق النار مع الجيش الأميركي. فيما سبق عملية تبرئة "للشهيد" طالما انه كان "يقاتل الاميركيين فقط ويرفض العمليات الانتحارية".

   حتى موقع "مفكرة الاسلام" والذي اشتهر كأبرز المحرّضين للجهاد في العراق وفبركة بعض الاخبار من هناك طالما أنّها تخدم المصلحة العامة والتنفير للجهاد فيما يبدو، قد اخذ يميز بين المجاهدين الحقيقيين الذين لا يعرفهم احد وجهاد أبومصعب الزرقاوي الذائع الصيت، فبات ينكر على الزرقاوي شنيع افعاله ولكن لا بأس عنده من الجهاد ضد الاميركيين ولا عزاء للحكومة العراقية والشعب العراقي الباحث عن امل واستقرار.

    وفي سورية وبعدما تنبه الاشقاء هناك إلى خطر لعبة غض الطرف عن "المتطوعين العرب" وبعدما تلقوا التحذيرات اللازمة من الاميركيين اخذت مخابراتهم الفعالة والتي ما كان لشاب سعودي او عربي أن يتجول بين القامشلي والحسكة على الحدود العراقية دون ان يقع في شباكها، فشرعت تقوم بما لم تقم به قبل اشهر بوقف تسلل هؤلاء وتعتقلهم فتسلم بعضهم للمملكة واخرين للعراقيين والاميركيين لترضيهم وترضينا في حملة العلاقات العامة التي باتت في امس الحاجة اليها بعدما تكالبت عليها اخطاؤها السابقة.

   ولكننا لا نزال ننكر؛ استمعوا إلى مراسل الوطن السعودية مرة أخرى ينقل عن شقيق مدرِّس من بين خمسة مدرسين اختفوا منذ شهرين في سورية "بعد رحلة سياحية!" في قصة نشرتها الصحيفة قبل أيام قليلة، فسافر هناك باحثاً عن شقيقه ورفاقه، واتصل بعدد من الجهات السورية والسفارة السعودية هناك، إلا أنه لم يجد أدنى إفادة "مبدياً تخوّفه من تعرّض شقيقه ورفاقه إلى مشكلة. وقال: ربما جرى تسليمهم للقوات الأميركية، حيث يوجد الكثير من السعوديين الذين يبحثون عن مفقودين لهم هناك، وسط شائعات وأخبار عن وجود عصابات تهريب تتصيّد سعوديين لتبيعهم للقوات الأميركية في الحدود السورية العراقية، بحجة أنهم قادمون لتنفيذ (عمليات إرهابية) في العراق. ونفى الشقيق في الوقت نفسه، وجود أي توجه لدى شقيقه نحو الذهاب إلى العراق، مؤكدا أنه على ثقة بأن أخاه لا يحمل أية أفكار لها صلة بما يجري في العراق".

   أكثر من حالة انكار واحدة في القصة السابقة، فالشقيق يستعيد تلك الرواية المتدوالة عن وجود عصابات توقف السعوديين في منطقة الحدود العراقية السورية وهي منطقة ليست سياحية، ولا يقصدها السياح العرب، ويفضل ان ينكر أن شقيقه ورفاقه ربما كانوا مشروع مجاهدين او انتحاريين.

     لا بد ان نعترف بوجود شبكة ما تقوم بالتحريض والتجيند ومن ثم التجهيز وربط من يصطادون بعناصر تساعدهم في التسلل إلى العراق، انها عملية معقدة، تبدأ بمباركة عامة علنية للجهاد، فنجد علماء كبارا وقعوا في ذلك ولكن اضطروا الى التراجع بعدما عوتبوا، واخرين يدلسون ويخبئون رسالتهم المتفجرة في خطبة جمعة او محاضرة او بيان يتحدث عن تكالب الأمم علينا، والهجمة الاستعمارية الشرسة، والوقفة الشجاعة المنتظرة لدحر العدوان، بعضا من هذه الرسائل الملغمة تجدها في الصحف السيّارة تختبي حول "المشروعية الدولية لمقاومة الاحتلال الاميركي" ومن يستطيع ان يقول بعدم جواز ذلك؟ اليس هو احتلال؟  قليل ممّن يمتلك الشجاعة ليقول: إنه احتلال ولكن العمل المسلح ليس الاداة الصحيحة لدحره، ويفتقر الى الاجماع العراقي بل توجد حكومة هناك تمنع المقاومة التي اختطفتها تيارات تكفيرية لها أجندتها الخاصة غير المرتبطة بالاحتلال وسوف تستمر حتى لو زال الاحتلال، والمقاومون الاخرون من بقايا البعث سيوقفون مقاومتهم عندما يصلون الى اتفاق يحصلون به على الحصة التي يفاوضون الآن عليها، لكن قليلٌ من يقول ذلك وقليل من يستمع لهم.

    بعد ذلك التمهيد والتحريض العلني، يأتي دور الدعاة المجاهدين الذين يجتمعون إلى الشباب تحت ذريعة حفل عشاء في بيت احدهم، يدخل الضيف وسط تكريم واحتفاء، إنّه اسد الفالوجة ابو فلان، لقد قام برحلة إلى هناك وخرج منها بأعجوبة، له سابقة في الجهاد في الشيشان او داغستان، يبدأ المجاهد بالحديث بالصلاة والسلام على رسول الله امام المجاهدين، ويطمئن الشباب انه لا يوافق فعل الاخوة المتعجلين الذين اضطروا إلى اللجوء للقوة في بلاد الحرمين، وكان حري بهم بذل الجهد ووضعه في موضعه الصحيح، ارض الرافدين حيث العدو صريح لا شك فيه، عدو صائل غزا أرض المسلمين، يغير دستورها، ويقدم "أهل البدع والضلال" ويمكِّنهم في الارض، هناك الجهاد الحقيقي، يحدثهم عن الكرامات والبشائر رغم كل الصعوبات وقوة العدو. يمضي في حديثه المؤثر ولكنه لا يدخل في التفاصيل، لا يدل احد كيف يذهب وبمن يتصل، وماذا يحتاج؟ انه يعلم أن صيده سوف يأتي له او لصاحب الدار الذي لابد أنّه على صلة بالمجاهدين.

   حصل هذا في غفلة ما قبل 11 سبتمبر وتفجيرات المحيا، ولكن اليوم وبعدما اكتوينا بنار التكفير والتطرف، لا مجال للتسامح واحسان الظن، يجب أن نقتنع أنّه لا جهاد في العراق، لا ضد الاميركين ولا ضد فيالق بدر ولا ضد أحد، إنما مبررات يختلقها انصار القاعدة الخفيون كي يفتحوا علينا ثغرة يرتدّوا بعدها علينا بنارهم وكراهيتهم من جديد، لنتوقف عن لعبة الانكار الساذجة.

كاتب ومستشار اعلامي سعودي

التعليق