ياسر أبو هلالة

انتحار معلم.. طعن معلم.. أين نقابة المعلمين؟

تم نشره في السبت 27 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

    لو أجري استطلاع في قطاع الذكور، عن المهنة التي يطمح إليها الطالب في المستقبل، فهل سيجيب أحدهم: وظيفة معلم؟ المؤكد لا! وهذا ليس الدليل الوحيد على مدى انهيار قيمة التربية والتعليم، بل لقد حملت صحف الأسبوع الماضي أخبارا ثلاثة مثيرة للقلق، وتدعو إلى مراجعة أوضاع المعلمين بشكل جذري.

    خبر عن معلم، في الثالثة والخمسين من عمره، انتحر عقب إحالته على التقاعد؛ وخبر عن اعتداء مجموعة من الطلبة على معلمهم بالطعن، وثالث عن ابنة معلم ومعلمة اضطرت إلى العمل في قطاع التنظيفات في جامعتها الخاصة لإكمال تعليمها!

    سيقال إن الأخبار السابقة انتقائية، والتعامل معها مناف للمنهجية العلمية في تقويم حال المعلمين، وستخرج من الملفات أرقام لا حصر لها عن وضع التعليم في الأردن وتقدمه على مستوى الدول النامية. صحيح، وهذا ليس في التعليم فقط، بل وفي جميع معايير التنمية الإنسانية، إلا أنه لا ينفي دلالات الأخبار الثالثة. فالنسبية تعني أننا أفضل من الكونغو ونيبال وسورية ومصر... لكنها لا تعني أننا اقتربنا من مستوى دولة متطورة. وفي رياضات ذوي الاحتياجات الخاصة، ثمة من يحصدون ميداليات ذهبية، لكن هذا لا يؤهلهم للمشاركة في الرياضات العادية.

    للمعلم احتياجات، مادية وغير مادية، لابد من تلبيتها حتى يتمكن من دخول الصف وهو راض عن نفسه وقادر على العطاء، وقد نحتاج إلى بئر نفط لتحقيق ذلك، لكن النسبية هنا قد تكون الحل. فثمة رمزية تحقق حوافز، مثل تفعيل صندوق إسكان المعلمين. وربما لو تولت أمر الصندوق شركة استثمارية لتمكنت، من خلال المبالغ المرصودة، من توسيع قاعدة المستفيدين بالاستعانة بإمكانات الدولة من أراض وتسهيلات.

    رمزية أخرى تتعلق بطعن المدرس. فهذه ليست مشاجرة في ناد ليلي، بل هو اعتداء على كرامة كل مواطن، وبما يتطلب وقفة من المجتمع والدولة، لا تعيد الاعتبار للمعلم المطعون وحسب. لا أدري من قام بزيارة المعلم المطعون، غير أمه وأشقائه وذويه. هل قام وزير التربية بزيارته في مستشفى البشير (لا أتوقع أن يدخل إلى مستشفى خاص، فهو من الحكومة وإليها!)؟ الجناة سيجدون من "يطارد لهم"، ويجهز قوات التدخل السريع من وجوه القوم لمقايضة دم الضحية برشفة من فنجان قهوة. وفي مهجعهم حيث يوقفون، سيتبجحون بطعن معلمهم، وسيكتسبون خبرات إجرامية جديدة تعينهم على طعن المزيد!

    أما ابنة المعلم والمعلمة، فهي مفتاح لرمزية ثالثة. فالمفروض أن تخصص الدولة صندوقا لإقراض المعلمين لتعليم أبنائهم أو ابتعاثهم، أسوة بأبناء العاملين في القوات المسلحة. المسألة قد تحل ببضعة ملايين يمكن تدبيرها. فإذا كان ترميم مبنى لا قيمة تاريخية له يكلف مليوني دينار، فإن أبناء المعلمين تحل مشكلتهم بمثل هذا المبلغ. وأكرر: المسألة رمزية. فلو ابتعث مائة طالب، وأقرض مائتين لتركت صدى إيجابيا لا يستهان به.    والأولوية الملحة هي رعاية المبدعين، لا تبديد المال على المبدع والجاهل.

    ثمة رمزية لا يمكن التفكير بها لأسباب سياسية، وهي إنشاء نقابة للمعلمين! فلو كان للمعلمين نقابتهم لما كان هذه حالهم. وحتى لا نتفاءل، علينا أن نتذكر أن مطلب كهذا كان شرطا من شروط الإخوان المسلمين على حكومة مضر بدران العام 1989، لكن الحكومة لجأت إلى المجلس العالي لتفسير الدستور، وتحللت من الشرط، الذي كان لو تحقق عامل نهوض ثقافي وعلمي، قبل أن يكون عامل نهوض سياسي.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق