د.باسم الطويسي

من المعارضة إلى المعارضة السياسية الوطنية

تم نشره في الجمعة 26 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

  لا يمكن إنكار ان الظروف المحلية والإقليمية السائدة تجعل الحركة الإسلامية الأردنية في أمس الحاجة إلى العـودة نحو الداخـل، والعمـل على إرساء نوع من التوافق والانسجـام مع القضايا الوطنيـة الكبـرى، التي باتت تشكل مفاصـل أساسية في توجهات الرأي العام الأردني.

    كذلك، لا يمكن إنكار حاجـة النظام السياسي، بمختلف مؤسساته وسلطاته، إلى إعادة تأهيـل حالـة الوفاق التاريخي وخطوط الالتقاء مع الحركـة الإسلامية، واخراجها من الوفاق التقليدي على خطوط تماس ومساحات متبادلـة للمناورة حددتها احداث وظروف تاريخيـة، نحو حالة عامة من العمل السياسي الوطني الذي يضمن حق المعارضـة ويستثمرها في المصالح الوطنيـة العليـا.

    لقد أعادت الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها مدينـة العقبـة إلى الواجهـة مجدداً واحدة من كبريات قضايا العمل السياسي المحلي، والمتمثلـة في الضبابيـة والخلط الذي يمارس بين مفهـوم المعارضـة السياسيـة وحدود ممارستها من جهـة، وبين القضايا الوطنيـة من جهة أخرى، والتي قد تصـل إلى حد قضايا الرأي العام الكبرى وتلك القضايا التي لا تحتمل المساومـة والتوظيف السياسي.

    وقد تابعنا بعض جوانب حالـة الإرباك، أو الصمت أحياناً، التي تدرجت من خلالها مواقف بعض قوى المعارضـة السياسية الأردنية في إدانة الحادث أو التعبير السياسي حولـه. وفي الوقت الذي فسرت فيـه بعض القوى مواقفها من الحادث الارهابي باستهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية، فإنها تراجعت عن صمتها بعد ان تكشف لها ضحالـة الإدراك السياسي لتوجهات الرأي العام الأردني وأولوياته، التي تعد قضيـة الأمن الوطني خارج دائرة المساومات السياسيـة، وخارج حدود المناورات، وهـو الإدراك الذي لم تسعفـه النباهـة السياسيـة في الوصـول إلى تفحص حقيقي للمراكز الحساسـة في الرأي العام الأردني.

    هناك أدبيات محليـة معروفـة تتحدث عن غربـة تاريخيـة لم تعان منها العديد من التيارات السياسيـة التي حسبت على المعارضـة وحسب، بل مارستها بالفعل. وهي غربـة تتمثل في تراجع القضايا الوطنيـة المحليـة في اجندة هذه التيارات وأولوياتها، حينما حرمت الحياة السياسيـة الأردنيـة من تبلـور خطاب سياسي موضوعي يبني بالتراكم، ومن خلال النظريـة والممارسـة، تجربـة المعارضـة السياسيـة الأردنيـة التي تقف يمين المجتمع أو يساره على حد سواء، وتعمل على بناء مواقف واضحة ومحددة حول القضايا المحلية كافة وتشتبك مع تفاصيلها، لا ان تلوذ بالصمت أو الحياد لكسب ود حكومة ما أو تبادل الصفقات السياسية أحيانا،ً أو التجديف خارج حدود المصالح الوطنية العليا.

    تقاليد اللعبة السياسيـة الديمقراطيـة في ديمقراطيات العالم العريقـة، لها قواعد وقيم كبرى يتفق عليها الفرقاء، وهي جزء من العقد الاجتماعي العام لا يتم تجاوزها أو القفز فوقها بأي حال من الأحوال، ولعل أهمها الاتفاق على حد معقول من الفهم المشترك للمصالح الوطنيـة العليا، وترك مجال المناورة والتنافس في تعريف المصالح الحيويـة والاستراتيجيـة الأخرى والبرامج السياسيـة، وصـولاً إلى السياسات والإجراءات التنفيذية. لكن العدميـة السياسيـة تزدهـر حينما تخفق قوى المجتمع السياسي في الاتفاق حتى على حدود مساحـة المناورة السياسيـة، وتتجاهل الالتفات إلى بناء الحد الأدنى من الفهم للمصالح الوطنيـة العليا.

    تتسع المصالح الوطنيـة الأردنيـة في هذه المرحلـة للاستثمار الخلاق في فعاليات المعارضـة السياسيـة وقواها المتعددة، وفي مقدمها الحركـة الإسلامية. كما ان الحكومة ومؤسسات النظام السياسي مطالبة بإتاحة هوامش واضحـة لتنمية هذا الاستثمار الوطني، واتاحة الظروف الملائمة له، دون ان تفقد القوى السياسية حقها في المعارضة.

    قوى المعارضة، ومؤسسات المجتمع السياسي ومراكز قواه الأخرى مطالبة ان تعي ان رهانها على صمت الرأي العام الأردني لن يستمر طويلاً إذا لم تغير جانباً من أساليب العمل السياسي التقليدي. وهذا هو جوهر العملية الديمقراطية التي يتنافس فيها الفرقاء للاستحواذ على الرأي العام وتوجيهه، وهو ما ستعمقه أية برامج أو خطوات إصلاح سياسي قادمة.

    لقد شكلت المعارضة السياسية الأردنية احد مصادر الضعف في ملف العلاقات الأردنية-العراقية بأبعادها الرسمية والشعبية؛ ولم يتسن لهذه المعارضة إحداث اختراق سياسي حقيقي، ولو على المستوى الرمزي، يوظف الديبلوماسية الشعبية في هذا الملف. وعلى الجبهة الفلسطينية وما ينالها حالياً من تحولات، لا تزال مواقف قوى المعارضة الأردنية، على أهميتها وارتباطها الكبير بالداخل والخارج الفلسطيني، دون مستوى الاشتباك الحقيقي مع المصالح الوطنية الأردنية التي تصب في المصالح الفلسطينية، وامام هذه القوى مسؤولية حاسمة في مقاومة ثقافة التوطين، التي بدأت بالتمهيد لمشاريع مؤجلة واخرى ساخنة.

    وعلى الصعيد الداخلي، ما تزال قوى المعارضة تنأى بنفسها عن أولويات المواطن الأردني، وعن هموم التنمية وتداعياتها، لا سيما قضايا الفقر والبطالة والفساد وغيرهـا.

    المعارضة السياسية الأردنية التي تطالب بحق وطني شرعي يتمثل في إصلاح سياسي حقيقي، تحتاج هي الأخرى إلى اصلاح رؤيتها للوطن ومصالحه العليا، وان تتحول إلى معارضة وطنية بالمعنى السياسي للكلمة، فلقد آن الوقت لهذه القـوى ان تعيد اكتشاف السياسة من جديد.

basim.twissi@alghad.jo

التعليق