إبراهيم غرايبة

ما الذي يعطل الحياة السياسية والعامة؟

تم نشره في الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

 ترتكز الرؤية الإصلاحية في الأردن إلى قناعة بضرورة انطلاق حياة سياسية قائمة على فصل السلطات والتنافس السياسي والعدالة والمساواة ومكافحة الفساد، لكن ذلك لم يتحقق بعد، مما يطرح السؤال حول من يقف في وجه هذه المشروعات؟ أو ليكن السؤال ما الذي يمنع تحقيقها؟

    لماذا لم يصدر قانون مكافحة الفساد الذي قدم مشروعه من مجلس النواب إلى مجلس الأعيان في العام 1990، وما زال ينتظر إتمام مروره بالمسار التشريعي المفترض؟ لماذا لم يجتمع المجلسان لحسم الخلاف بينهما والخروج بمشروع تقره أغلبية مجلس الأمة؟

    يؤكد الخطاب الرسمي للدولة الأردنية على الشفافية والعدالة والمساواة ومواجهة الفساد والمحسوبية، لكن التوظيف والاختيار الحكومي لكبار الموظفين ما زال موضع تساؤل وتشكيك. ويعرف جميع الناس عشرات القصص عن الوظائف التي لم يجر حولها تنافس عادل، والتفاوت في الرواتب والمكافآت بين الوظائف والموظفين. وفي القطاع الخاص أيضا، هناك حالة من التحيز والفساد، لا تطالها النقابات العمالية والمهنية ولا الجهات الإعلامية.

     منذ سنوات طويلة والحديث الرسمي والإعلامي يجري عن توطين العمالة، ولكن العمالة الوافدة تتزايد، بل وتتضاعف، ويجري تمرير قصة ثقافة العيب علينا لتمرير حرمان المواطنين من العمل واختيار عمال وموظفين لا تنتظمهم نقابات، ولا يعارضون حدا أدنى من الأجور، ولا يطالبون بضمان اجتماعي وسائر حقوق العمل، وتجربة أمانة العاصمة وبلدية إربد تؤكد أن المواطنين مستعدون أن يعملوا في"النظافة" إذا وفر حد معقول من الأجور والضمان والتأمين. فهل تسمح ثقافة العيب بالعمل بأعمال النظافة، ولا تسمح بالعمل في المطاعم والورش والمصانع؟

    ما الذي يمنع أن يتنافس المواطنون بعدالة على الوظائف جميعها، بدءا من الوظائف العليا وحتى الفئة الرابعة، بما في ذلك جميع المؤسسات العامة، والخاصة أيضا، وفق قواعد معلنة تسمح بالاعتراض والتقاضي؟ ومن صاحب المصلحة في اختيار شبه أميين في وظائف وأعمال تتطلب مهارات علمية ومهنية، وتعامل مع الجمهور والرأي العام، ويمكن أن تؤدي إلى مكاسب أو كوارث مالية وسياسية واجتماعية كبرى؟

    ما الذي يمنع تشكيل الحكومات على أساس كتل سياسية ونيابية تتنافس على السلطة وتراقب بعضها؟ لماذا لم تؤد حياة حزبية علنية منذ خمسة عشر عاما إلى نشوء حياة سياسية قائمة على تداول السلطة، في الوقت الذي استطاعت أحزاب سياسية في تركيا والمغرب خلال سنتين من إنشائها أن تحقق أغلبية برلمانية؟

     ما الذي يمنع أن تتحول المحافظات والبلديات إلى مؤسسات حكم محلي حقيقي يشارك فيه المواطنون جميعهم، وتدير التعليم الأساسي والرعاية الصحية والاجتماعية والبيئة والثقافة والرياضة والترويح، وتمتلك موارد كافية ومعقولة لإدارة الاحتياجات الأساسية؟

 فالديمقراطية الحقيقية تقوم على حكم محلي نشط وفاعل، وليس مجرد مكاتب حكومية لأداء عدد محدود من الخدمات التي لا يعلم عنها المواطنون، ولا يشاركون في إدارتها وتقييمها. ولنلاحظ، على سبيل المثال، أن عددا من رؤساء الولايات المتحدة الأميركية كانوا حكام ولايات، وأن جاك شيراك كان عمدة لمدينة باريس، وأن رجب طيب أردوغان كان رئيسا لبلدية اسطنبول.

     ثمة حالة غير مقبولة يشكو منها الجميع في مختلف المواقع السياسية والعامة، وربما يعني ذلك أن الحل ليس لدى مؤسسة محددة، وأن المشكلة أيضا لا تتحملها مؤسسة أو سلطة واحدة، لكنها مقولة تزيد من الحيرة أكثر مما تكشف عن الحقائق وتقربنا إليها، وتقود إلى التذمر والنقد العدمي أكثر مما تقود إلى الوعي والمسؤولية.

      وربما يكون المدخل في الفهم والتقدير، وهذا مجرد تفكير بصوت مكتوب، أن تجري عملية استماع طويلة وشاملة، يشارك فيها جميع المواطنين على مستويات جغرافية وتخصصية ومهنية، وتصدر هذه النقاشات في كتاب منشور، يعرف به الناس أفكار بعضهم وتصوراتهم. وقد يتكرر هذا الكتاب ليكون عملية سنوية، يقيم فيها الناس ويقترحون ويشكون ويستمعون.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق