العراق: لا يمكن بناء دول من فراغ!

تم نشره في الأحد 21 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

    كلما مر يوم، يتبين ان المأزق الاميركي في العراق يزداد عمقا وتعقيدا، ومعه المأزق العربي المتمثل في الانعكاسات الاقليمية التي ستترتب على استمرار العنف في هذا البلد الباحث عن هوية جديدة. والخوف كل الخوف، لا يكمن في مسلسل الجرائم التي ترتكب في العراق وحسب، بل في الطابع الذي راحت ترتديه ايضا، وهو طابع تغذيه قوى اقليمية بات واضحا انها تسعى الى شرذمة العراق وتفتيته. وكان الملك عبدالله الثاني اول من تحدث صراحة عن هذه المخاطر، وسعى الى مقاومتها في ظل صمت عربي مريب.

    ليس مستبعدا أن ينجح هذا المخطط الخطير الذي أسس له النظام البعثي-العائلي الذي اقامه صدام حسين، قضى على النسيج الاجتماعي للمجتمع، تاركا للذين جاؤوا بعده على ظهر دبابة أميركية بلدا يصعب حكمه والتحكم به. وكان الأميركيون من الغباء بأن طرحوا قبل عمليتهم العسكرية في العراق سلسلة من الافكار تؤسس لحرب أهلية. واتبعوا هذه الافكار بقرار حل الجيش العراقي، وكأن المطلوب خلق فراغ على كل المستويات، يمكن الانطلاق منه لاعادة بناء البلد على أسس جديدة! هل هناك من يعتقد ان في الامكان بناء دول على فراغ، وعلى افكار عامة، من دون وجود قاسم مشترك يؤدي الى ان تكون هناك لحمة وطنية؟

     كانت التركة التي خلفها صدام حسين ثقيلة جدا، لكن الاميركيين زادوها ثقلا بمشاركة المعارضة التي قامت على اسس مذهبية. ولابد من العودة الى مؤتمر لندن، الذي عقدته هذه المعارضة، للتأكد من ان معظم الأفكار التي طرحت وقتذاك أدت، بطريقة او بأخرى، الى الوصول الى الوضع الراهن، الذي يمكن تلخيصه بأن المسألة ليست مسألة صياغة دستور للعراق الجديد، بمقدار ما انها مسألة مرتبطة بسؤال من نوع آخر: هل يمكن اعادة تركيب العراق؟

    انعقد مؤتمر لندن في كانون الاول من العام 2002، اي قبل نحو ثلاثة أشهر من دخول القوات الاميركية الاراضي العراقية، وتميز بثلاثة أمور: حضور شيعي قوي بفضل تنسيق اميركي-ايراني تولاه احمد الجلبي، واقرار مبدأ "الفيدرالية"، وورود عبارة "الاكثرية الشيعية في العراق" في البيان الختامي الصادر عن المؤتمر.

    ترتب على التنسيق الاميركي-الايراني تسهيل ايران للحملة العسكرية الاميركية. وللتذكير فقط، لابد من الاشارة الى ان بين ابرز اعضاء الوفد الاميركي الذي تولى مراقبة سير اعمال المؤتمر زلماي خليل زاد، الذي يشغل حاليا موقع السفير الاميركي في بغداد، والذي يسعى الى تسريع عمل صياغة دستور جديد للبلد.

    عاجلا أم آجلا سيتم التوصل الى صيغة دستور جديد، لكن يبقى ما هو ابعد من الدستور، اي اعادة تركيب العراق في ضوء وجود اجندات مختلفة، ناجمة عن اصرار الاميركيين على زرع بذور التفرقة المذهبية في البلد. والأكيد، انه من اجل تسهيل مهمة اللجنة التي تعمل على صياغة نص الدستور الجديد، يمكن طرح سلسلة من الاسئلة البسيطة، من نوع ماذا تعني عبارة "الاكثرية الشيعية في العراق"؟ ماذا تعني كلمة "الفيدرالية"؟ هل يمكن قيام عراق جديد بدستور مستوحى من دستور الجمهورية الإسلامية في ايران، خصوصا بعدما تبين ان لدى طهران نفوذا قويا على الاحزاب؟ هل يمكن ايجاد تفسير لكلمة "الفيدرالية" لدى الشيعة، باستثناء تشكيل اقليم يضم المحافظات الجنوبية والوسطى، تصب في خزينته معظم ايرادات نفط جنوب العراق؟ وهل يمكن للاكراد ان يفهموا "الفيدرالية" خارج اطار ان تكون جسرا يضمن لهم حصة الاسد في نفط شمال العراق، اي في حقول كركوك؟

    في نهاية المطاف، يظل الدستور مهمة سهلة، اما المهمة الاصعب فهي تركيب البلد وابقاؤه موحدا. فتركة صدام حسين ثقيلة، بل ثقيلة جدا، ولم تترك للشيعة العرب خيار اتخاذ موقف عقلاني تجاه ما يدور على ارض بلدهم، ولم تؤد سوى الى دفع السنة العرب، الخائفين على مصيرهم، نحو التطرف، ونحو اشباه ابو مصعب الزرقاوي، الذي هو شخص حقيقي وحقيقي جدا.

    كان سهلا على اميركا فرط العراق؛ سهّل لها صدام حسين المهمة، الى درجة بات عليها التساؤل حاليا: هل يمكن اعادة تركيب البلد وابقائه موحدا؟ الدستور نزهة مقارنة بمثل هذه المهمة. انها مهمة تبدو في غاية الصعوبة في غياب مشروع عربي حقيقي لعراق موحد وعصري، لم يتجرأ أحد على الحديث عنه في الماضي القريب سوى قليلين، على رأسهم العاهل الاردني، الذي يسعى هذه الايام الى انقاذ ما يمكن انقاذه من العراق... ومن عروبة العراق ووحدة أراضيه.

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق