محمد أبو رمان

من المستفيد؟!

تم نشره في السبت 20 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

   وفقا للمؤشرات والمعلومات الأولية تبدو المجموعات المرتبطة بأبي مصعب الزرقاوي والقاعدة وراء حادثة إطلاق الصواريخ في العقبة وإيلات، ولعل ما يرجح هذه الفرضية أن التحقيقات السابقة مع الجيوسي -المتهم بمحاولة تفجير المخابرات العامة- أظهرت أنه كان ينوي ضرب ميناء إيلات لولا ممانعة الزرقاوي وإصراره على استهداف المخابرات العامة، مما يؤكد أن التفكير في هذه العملية سابق على تنفيذها بوقت طويل.

    هذه العملية -على الرغم أنها ضعيفة وبائسة- تثير قضية تفسير أعمال ما يسمى بالجماعات الجهادية المتشددة ليس في الأردن فحسب، بل وفي العالم والسؤال المطروح -في هذا السياق- حول أهداف هذه الجماعات والعمليات؟ ..

     أريد أن التقط في الجواب على هذا السؤال ما كتبه الكاتب اللبناني حازم صاغية في "الغد" حول إعلان الجيش الإيرلندي وقف إطلاق النار، وجوهر ملاحظة صاغية أن الجيش الإيرلندي لديه قضية محددة وأهداف سياسية معلنة قابلة للتحقيق ويقوم بعملياته بما يخدم هذه الأهداف، بينما الجماعات المتشددة المرتبطة بالقاعدة أهدافها ضبابية إلى درجة أصبح معها تعريف هذه الأهداف مسألة معقدة وغير واضحة. والملاحظة السابقة صحيحة تماما إذا ما قرأنا كثيرا من عمليات القاعدة التي تراوحت بين استهداف مواطنين أميركيين وغربيين لمجرد إلحاق الأذى وبين محاولة ضرب أهداف اقتصادية وعسكرية للولايات المتحدة ودول أخرى. فاتساع الأهداف ليشمل عددا كبيرا من دول العالم يجعل من الصعوبة بمكان تحديد مصالح سياسية من ورائها سوى التخريب والتدمير، وفي المحصلة فإن النتيجة الوحيدة المترتبة على ذلك هي "العدمية السياسية" فقط.

     إلا أن الأسوأ من حالة "العدمية" أن هذه العمليات تؤدي دوما إلى نتائج خطيرة وسلبية على الشعوب العربية والمسلمة، فأحداث أيلول 2001 كانت بمثابة المحفز الاستراتيجي لمشروع المحافظين الجدد تجاه المنطقة، وكانت الشعوب العربية والجالية العربية والمسلمة في أميركا والغرب أكبر المتضررين منها، وحذفت أحداث لندن مساحة الحرية التي كانت المعارضة العربية تجدها في الخارج، كما أضرت كثيرا بالحقوق المدنية والسياسية للعرب والمسلمين في الغرب، فيما ردَّتنا تفجيرات شرم الشيخ إلى حالة "الطوارئ السياسية" وأضعفت دعوات الإصلاح والمعارضة العربية. أما استهداف المدنيين والأبرياء في العراق والسعودية والكويت والعديد من الدول العربية فالضحية الأولى لها هي الشعوب التي عاد التلويح بـ"الأمن" في وجهها بعد أن حداها الأمل قليلا بالإصلاح والديمقراطية في الفترة الأخيرة.

    وقبل هذا وذاك تبدو صورة الجهاد هي المتضرر الأول والمباشر من كل هذه العمليات التي تظهر الإسلام وكأنه ديني عدمي، والجهاد عبارة عن قتل وذبح وهاجس بالانتقام كيفما كان الأمر ومهما كانت النتائج، سواء كان الضحية طفلا يركب مترو الأنفاق في لندن أو تاجرا في سوق نيويورك أو مواطنا ليس له ذنب إلا قدره بأن يكون في مكان التفجيرات والعمليات، مع أن رسالة الإسلام والجهاد هي في الأصل تحقيق لمقاصد الشريعة الإسلامية بحفظ النفس والمال والعقل والدين والعرض وكلها قد استبيحت تماما في عمليات هذه الجماعات!

    هل ستؤدي هذه العمليات إلى الإصلاح أو تغيير سياسات النظم العربية الحالية؟ بالطبع لا، هل ستؤدي إلى نهاية الهيمنة الأميركية ثروات الأمة ودعمها لإسرائيل؟ أيضا لا، هل ستغير من ميزان القوى؟ ربما، لكن زيادة في إضعاف الوضع الاستراتيجي في العالم العربي والإسلامي، ونزيف من الدم الداخلي الذي يعلي من الهاجس الأمني على حساب مطالب الإصلاح والديمقراطية.

    يقول لي صديق أن الحوار حول أهداف العمليات العبثية هو حوار خارج السياق يدور بين المثقفين والإعلاميين ولا يؤثر على أفراد هذه الجماعات التي لا تلتفت إليه مطلقا، لأنها جماعات معزولة عن المجتمع لها موقف سلبي من كل المثقفين والقوى السياسية، ولا تقيم أي حوار موضوعي مع القوى والفئات الأخرى، وهذا صحيح من ناحية، لكنه لا ينفي ضرورة فهم هذه الظاهرة وأهدافها وأسبابها وصولا إلى تفسيرها والتعامل معها. فهذه الجماعات لا تنبت في الفراغ، ولها أفكار وحجج وأدوات تعبئة وتكتسب في كل فترة عددا كبيرا من أبنائنا وتسوّق عليهم رؤى متطرفة ومنطقا خاطئا باسم الإسلام والكرامة، فإذا كان هناك فجوة -وهذا صحيح- بين هؤلاء الشباب والحركات والقوى الأخرى والمثقفين الأردنيين فإن ذلك يعني بالضرورة مناقشة أسباب هذه الفجوة وكيفية ردمها ومواجهة الشروط التي تنتج الفكر المتشدد والمنطق الخاطئ في التفاعل مع الأحداث السياسية لدى آلاف الشباب العربي والمسلم. 

   في الأردن، المسؤولية الأولى تقع على عاتق المجتمع في مواجهة أدوات التجنيد والتعبئة السياسية لدى هذه الجماعات والحيلولة دون تأثيرها على الشباب الصغار واكتساب أنصار جدد، الأمر الذي يتطلب إصلاح الخطاب الإسلامي في الأردن، على الصعيد الرسمي والشعبي. فعلى الصعيد الرسمي هناك دواع ضرورية لإعادة هيكلة وزارة الأوقاف ورفدها بقدرات بشرية ومالية وبناء حوار موضوعي وعميق لتطوير وتأهيل الأئمة والوعاظ من خلال دورات تدريبية، وتعزيز الخطاب الإسلامي المعتدل الوسطي داخل المساجد وتنوير الناس بمقاصد الإسلام وهدايته الحقيقية ورسالة الجهاد الأخلاقية وضوابطها، ومن الخطأ أن يقتصر الأمر على تعليمات من الوزارة وتوجيهات محددة للأئمة, بل لا بد من خطة متكاملة بعيدة المدى، وفي تقديري فإن دور وزارة الأوقاف وكليات الشريعة والمؤسسات الدينية الرسمية يعادل تماما, بل يزيد على, دور وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية في مواجهة الفكر الإسلامي المتشدد.

    أما على الصعيد الشعبي فتقع المهمة الرئيسية على عاتق جماعة الأخوان المسلمين التي تتبنى -رسميا- خطابا معتدلا، لكنها مترددة دوما في اتخاذ موقف حاسم من الفكر الإسلامي المتشدد، بل ويؤدي خطاب عدد من خطبائها -في بعض الأحيان- إلى تعبئة نفسية تؤدي في جزء من تداعياتها لتهيئة المناخ لانتشار هذا الفكر. وأذكِّر هنا بقصة علاء حجازي وقد كان زميل لي في المدرسة الثانوية في بداية التسعينات من القرن المنصرم، فاجتاز الحدود الأردنية- الفلسطينية للقيام بعملية ضد جيش الاحتلال ومعه "عبوة متفجرة" وكان مصيره القتل السريع على أيدي الجنود الإسرائيليين، وهذه عملية مشابهة لعشرات العمليات التي تمت من خلال شباب أردنيين في الجامعات والمدارس تأثروا بالتعبئة التي يمارسها خطباء أخوانيون، دون وجود إدراك لأهمية توجيه هذه التعبئة في الاتجاه الصحيح!، وبدلا من انتقاد هؤلاء الخطباء لتلك العمليات وعبثيتها فقد باركوها واحتفوا بها على الرغم ان النتيجة الوحيدة لها كانت -فقط- هدر أرواح ومستقبل عدد من الشباب الأردني!

      وإذا كنا متفقين على أولوية المصلحة الوطنية الأردنية لدى كل القوى والأحزاب السياسية والمثقفين فإن هذه الجماعات المتشددة وهدر مستقبل مئات من أبنائنا بذريعة أفكار ومناهج منحرفة خاطئة وخلق حالة أمنية في الداخل دون وجود أي فائدة أو مبرر لها ليس من مصلحة الأردن ولا شعبه، والمطلوب أن تتكاتف الجهود لإصلاح الخطاب الديني وترشيد الخطاب السياسي للقوى المختلفة وإنقاذ مستقبل مئات الشباب الأردني. 

         m.aburumman@alghad.jo 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »متحمسون (joha)

    السبت 20 آب / أغسطس 2005.
    هؤلاء لديهم حماس زائد ليس بالسهل على أصحاب المناصب و المنتفعين من الأنظمة اقناعهم، فهم يعيشون هموم الأمة بكافة حواسهم ليس مثلنا ، هؤلاء تدمع عيونهم و لاينامون عندما يرون مصائب المسلمين فلا يجدون الا طريق العنف للرد على احزانهم. ارجوكم أن تفكروا مع هؤلاء بهذه الطريقة يامن بعدتم عن هموم الامة وفكرتم بانفسكم