الطريق إلى الخروج من العراق

تم نشره في الخميس 18 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

  أخيراً وصلت الأمور في العراق إلى النقطة التي تبدو فيها الأطراف كافة وكأنها تريد نفس الشيء؛ ألا وهو رحيل قوات التحالف عـن البلاد. وقد جاء التسريب الأخير لورقة المناقشة مـن وزارة الدفاع البريطانية، والتي تدور حول سحب القوات، ليؤكد على هذه الرغبة. لكن السؤال الوحيد الذي يواجهنا الآن يتمثل في كيفية تحقيق هذه الرغبة المشتركة؟

لقـد بات من الواضح أنـه طالما ظلت قوات التحالف باقية فـي العراق فمـن المرجح أن تتصاعد أعمال العنف، لكن إذا ما رحلت هذه القوات فإن أعمال العنف سـوف تتصاعد لا محالة أيضا، إنما بصورة أسرع.

    إذن، فالمسألة الحقيقية هنا تتلخص في كيفية التوصل إلى النقطة التي يصبح عندها لدى العراق قوة شرطة وجيش يمكن ائتمانهما على مسألة فرض القانون والمحافظة على النظام.

    حتى الآن، مازالت هناك أمور كثيرة لابد من تغطيتها قبل الوصول إلى أي نقطة قريبة مـن تحقيق هذه الغاية. وعلى الرغم مـن شجاعة العديد من العراقيين الذين انضموا إلى الجيش أو إلى قوات الشرطة، إلا أنه لا ينبغي لنا أن نندهش إذا ما علمنا أن بعضهم لا تحركهم دوافع خالصة. ففي شمال العراق، تتم الآن تسوية حسابات قديمة، وفي مناطق أخرى، مثل أربيل التي كانت تتسم تقليدياً بالتنوع السكاني، نجد أن العزل العنصري قد أصبح واقعاً ملموساً، وفي مناطق أخرى يتم فرض الشريعة الإسلامية بالقوة.

    إذن، كيف يتسنى للعراق أن ينشئ مثل هذه الخدمات الرسمية القادرة علـى فرض القانون بصورة فعّالة وبلا تحيز، أي دون اعتبـار لعرق أو دين أو جنس؟ تتلخص الإجابة التقليدية في التجنيد والتدريب وغرس "القيم الصحيحة"، لكن الوقت لـم يعد كافياً لكل ذلك، وصار الأمر يتطلب ابتكار سبل أخرى.

    في غياب نظام قيم ذي جذور عميقة راسخة، فإن العراق يحتاج إلى منظمات المجتمع المدني ذات القاعدة الجماهيرية العريضة، والتي تستطيع مساءلة قوات الشرطة والجيش. وقد يتخذ هذا التوجه أشكالاً مختلفة، لكن من الأهمية بمكان أن تكون هذه المنظمات شاملة لفئات المجتمع المحلي كافة، وأن تتلقى الدعم مـن قِبَل السلطات الإقليمية والوطنية إذا ما توصلت إلى كشف انتهاكات أو مفاسد. وإذا ما توفر الحرص في الاختيار على المستوى المحلي، والدعم الوطني والاعتراف بقيمة هذا الحرص، فمن المرجح أن تأتي سلوكيات أغلب أفراد القوات الرسمية على مستوى المسؤولية، ويصبح من السهل في هذه الحالة تمييز أولئك الذين لا يرقون إلى مستوى المسؤولية والتعامل معهم.

    قد يبدو كل ما سبق من قبيل الإفراط في التمني، لكن في أفغانستان، الدولة التي تتماثل مع العراق في العديد من الجوانب، هناك مجموعات تعمل في اتجاه تحقيق هذه الغاية. إذ تقدم منظمة "التعاون من أجل السلام والوحدة" نموذجاً لكيفية القيام بهذا.

    في أفغانستان، كما في العراق، تأتي الرغبة في تخفيض وتيرة العنف في مقدمة أولويات رجل الشارع العادي. ولقد عملت منظمة "التعاون من أجل السلام والوحدة"، في كافة أنحاء البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية، على إنشاء لجان سلام على مستوى المناطق، تلقى الدعم من مجالس سلام تابعة في القرى. وتواجه هـذه المبادرة بيـئة ثقافية أصبح العنف متأصلاً فيها، إلى الحد الذي جعل أطفالها ذات يوم يتعلمون الحساب من خلال إحصاء أعداد جثث الجنود السوفييت. ومن هنا، فإن اللجان تسعى إلى حشد قطاعات المجتمع كافة -بما في ذلك المعلمون، وشيوخ القبائل، والزعامات الدينية، والنساء، والشرطة، والجنود، والقضاة، ورجال الأعمال- بهدف إيجاد السبل اللازمة لتسوية النزاعات بالطرق السلمية.

    وعلى الرغم من أن المراقبة لم تكن تمثل جزءاً رسمياً من الدور الذي تضطلع به اللجان حتى الآن (وهو ما تخطط له اللجان في المستقبل)، إلا أن مشاركة الشرطة، والجيش، والنظام القضائي في هذه اللجان يجعلها على صلة وثيقة ببقية أقسام المجتمع، فتوفر الفرصة للتعرف على مطالب الناس وآرائهم، وبالتالي الشروع في بناء الثقة.

    والحقيقة أن بعض النتائج كانت طيبة إلى حد لافت للنظر. ففي إحدى ورش العمل، حضر القائد العسكري المحلي لبضع ساعات على سبيل المجاملة، فانتهى به الأمر إلى البقاء طيلة الأسبوع. وفـي النهاية اعتذر عـن ماضيه العنيف، وتعهد بنزع سلاح جيشه الخاص المؤلف من 2000 جندي، وهو الآن يزور مكاتب اللجان على نحو منتظم.

    وفي العراق، بدأت مشاريع مثل "مركز الاتصال الإنساني" في كركوك في القيام بوظيفة رقابية، من خلال تقديم الفرصة للتجمعات السكانية المحلية المتنوعة للتقدم بشكاواها والحصول على المساعدة في التعامل مع هذه الشكاوى وحلها. ولكن في كثير من الأحوال، وحتى بعد صدور حكم قضائي من المحكمة، لا يتم تنفيذ هذا الحكم نتيجة للترهيب والتخويف.

    حتى الآن، تولت القوات الأميركية والبريطانية القيام بالكثير من الأعمال الجيدة فيما يتصل بتعزيز المجتمع المدني، لكننا -للأسف- لا نسمع عن ورش العمل المقامة بهدف تمكين النساء، كما لم نسمع عن التنظيم الناجح لانتخابات محلية على نطاق صغير في أنحاء البلاد.

قضية تعبئة المجتمع المدني تشكل تحدياً هائلاً، ويتجلى هذا على نحو خاص في العراق، حيث تبرز الحاجة إلى تحقيق هذه الغاية بسرعة وعلى نطاق واسع. ومازال تواجد القوات العسكرية يشكل ضرورة واقعية، ولكن من الضروري أيضاً توفير الحوافز لنزع السلاح، بما في ذلك الحوافز المتمثلة في الفرص الاقتصادية المحتملة التي هي في الواقع أكثر إثماراً من الجريمة والابتزاز.

    من الأمور التي تدعو إلى التفاؤل أن بناء قدرات المجتمع المدني لا يكلف الكثير على الرغم من أهميته البالغة. فمركز الاتصال الإنساني في كركوك، على سبيل المثال، يقدم خدماته لأقسام المجتمع كافة في كركوك، بتكلفة لا تتجاوز 75 ألف دولار سنوياً. وبهذا، فإن عشرة ملايين دولار تكفي لمضاعفة أعداد مثل هذه المراكز في العراق مائة مرة، وقد تتبقى بعض المبالغ.

    يتمثل التحدي الآن في الالتزام بهذا التوجه، والتعهد حتى النهاية بمساندة ودعم هؤلاء الشجعان الذين أخذوا على عاتقهم مراقبة أداء السلطة. وبغير هذا فلن يتسنى للشعب العراقي أن يجد الأمن الذي بات في مسيس الحاجة إليه بعد سنوات طويلة من المعاناة.

كارولين هايمان كبيرة المديرين التنفيذيين في "بيس دايركت" (Peace Direct).

خاص بـ"الغد". حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005. www.project-syndicate.org

 ترجمة: إبراهيم محمد علي

التعليق