إبراهيم غرايبة

الانسحاب من غزة وما بعد وما قبل

تم نشره في الأربعاء 17 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

 هل يؤشر الانسحاب الإسرائيلي من غزة ومن قبل من جنوب لبنان ومن سيناء على مسار جديد في السياسة الدولية والإقليمية؟ هل يعني انتهاء الاحتلال في العالم؟ وأنه لم يعد ثمة مجال لشعب أن يحكم شعبا آخر، ولا لدولة أن تحتل أراضي دولة أخرى مهما كان الفرق في ميزان القوى بين الدول والشعوب؟

    يستطيع المتشائمون بالطبع أن يجدوا عشرات الحجج والنقاط الأساسية الصحيحة والتي تقلل من أهمية الانسحاب الإسرائيلي من غزة، بل وتصوره على أنه انتصار إسرائيلي وهزيمة عربية وفلسطينية، ويستطيع المتفائلون أيضا أن يجدوا عشرات الحجج والنقاط الأساسية الصحيحة التي تضيف الانسحاب إلى قائمة الانتصارات العربية وأن يضعوه في مرتبة معركة حطين والفتوحات العربية والإسلامية.

    ولكن يبدو أن الحقيقة وفهمها أصعب من ذلك بكثير، فهي موزعة في شبكة معقدة من الخلايا المكونة للمشهد السياسي والجيوسياسي، وتحتاج ملاحظتها إلى استشعار أكثر من القراءة والتحليل.

     فإذا كان المشروع الأميركي للإصلاح والتعاون مع الشرق الأوسط حقيقيا وجادا، وثمة ما يدعو للاعتقاد بذلك لحاجة الولايات المتحدة ومصالحها فيه، فإن ذلك يعتمد على حالة من الاستقرار والرضا في المنطقة، وثمة قناعة واسعة الانتشار في العالم أن حالة الاضطراب والعنف والتطرف التي يشهدها العالم مرتبطة بالاحتلال والشعور بالظلم.

ويمثل التحول في سياسات ومواقف منظمات المقاومة الفلسطينية وبخاصة حماس نحو وقف العمل العسكري والمشاركة السياسية فرصة معقولة ومهمة لإنشاء حالة من الاستقرار والرضا في فلسطين وإن لم تكن على أساس عادل أوعلى أساس طموحات وأهداف حركات المقاومة.

    والمشهد الإسرائيلي المقابل مليء بالضعف والاختلالات أيضا برغم القوة العسكرية والدعم الأميركي، فالانتخابات الإسرائيلية تؤشر على حالة من التشت والتمزق والصراع داخل إسرائيل، وانهيار الأحزاب التقليدية الكبرى التي أسست الحركة الصهيونية وإسرائيل، وقادتها لأكثر من ثلاثين سنة، وتنامي تأثير اليهود الشرقيين السفارديم وزحفهم نحو قيادة دولة إسرائيل، وهم بنظر الإشكناز المؤسسين للصهيونية وإسرائيل، لا يختلفون عن العرب، ويمثل الروس حالة عصية على الهضم والفهم في إسرائيل، فلا هم يهود ولا هم إسرائيلون ولا هم غربيون إشكناز، والمتطرفون الدينيون اليهود يمثلون تحديا خطيرا لمستقبل إسرائيل والولايات المتحدة أكثر خطورة وكارثية من التطرف والعنف الإسلامي، وتعيش إسرائيل بحالتها الجديدة حالة من الانفصام عن الوكالة اليهودية العالمية التي تمثل الإسناد الأساسي لدولة إسرائيل، ويسيطر على قادة الدولة الإسرائيلية برغم هالة القوة والدعم هاجس القدرة على التحول إلى دولة حقيقية قادرة على الاندماج والتحرك في العالم كما جميع الدول، ولكن الولايات المتحدة ألغت بقوة وإصرار يقترب من العنف مشروعات إسرائيلية للتعاون التقنى مع الصين، بل وأجبرت قادة إسرائيل على الاعتذار.

     وبالطبع فقد كانت الحالة الفلسطينية في المقاومة والفاعلية الاجتماعية والتنموية والإصرار على البقاء في السياق الناهض والنامي للدول والتقدم تعليميا واقتصاديا وتنمويا على كثير من الدول والمجتمعات الأخرى وتجنب الاستدراج إلى الصراع والاقتتال الداخلي وتجنب مواجهة العالم باستهداف غير الإسرائيليين والأهداف الإسرائيلية خارج فلسطين أمرا واقعا صعب المراس أمام السياسات والأحلام الاستعمارية والاحتلالية يكاد يستحيل تجاوزه وإلغاؤه.

    وبجميع المقاييس فإنه يحق للفلسطينيين أن يفرحوا بالاقتراب من أحلامهم وقدرتهم على تحقيقها برغم كل المقولات الصحيحة عن انسحاب ملغوم وسيطرة إسرائيلية على المنافذ البرية والبحرية والجوية ولبس في القضايا الكبرى المعلقة، ولكن الصراع في غالب الأحيان يكون بالنقاط كسبا وخسارة أكثر مما هو بالضربة القاضية، والمغلوب لا الغالب هو الذي يحدد نهاية المعركة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »من الغالب و من المغلوب؟ (يارا)

    الأربعاء 17 آب / أغسطس 2005.
    هل المغلوب فعلا هو الذي يحد نهاية المعركة ، إذا كان كذلك ، و بمعرفتنا لمن هو المغلوب فالغالب أن المعركة سوف تنتهي بالتسليم والاستسلام.