محمد أبو رمان

حول البعد الديني في السياسة الأميركية

تم نشره في الجمعة 12 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً


   ثمة سجال فكري وإعلامي كبير في الأوساط الثقافية العربية حول تحديد دور الدين في صوغ العلاقة بين الغرب والعالم العربي بشكل عام، وفي توجيه السياسة الخارجية الأميركية تجاه العرب والمسلمين بشكل خاص، وأطراف هذا السجال ينقسمون بشكل عام بين اتجاهين؛ الأول هو الاتجاه الإسلامي الذي يختزل السياسة الخارجية الأميركية والعلاقة مع العالم الغربي في إطار الصراع الديني المحض، ويستند إلى تصريحات وإشارات رمزية صادرة من زعامات ومثقفين غربيين توحي بخلفية دينية في التعامل مع العرب والمسلمين.

 أما الاتجاه الثاني فهم مثقفون علمانيون يرفضون وجود أي صلة معتبرة بين الدين والسياسة الخارجية الأميركية ويرون أن المحرك الرئيس والأول لهذه السياسة هي المصالح السياسية والاقتصادية فقط.

   في الحقيقة لم يعد إنكار أهمية العامل الثقافي والديني في العلاقات الدولية ذا منطق قوي، خاصة مع بروز رؤى استراتيجية فكرية غربية في العلاقات الدولية تعيد أغلبها الاعتبار إلى دور الثقافة والدين في هذا المجال ككتاب صموئيل هانتنجتون المعروف "صدام الحضارات" وكتاب فوكوياما "نهاية التاريخ" وصعود اليمين المسيحي الأميركي والمحافظين الجدد ولهم خلفيتهم الدينية المعروفة التي أثارت الجدل حتى داخل أميركا ذاتها، ويترافق ذلك مع بروز الحركات الإسلامية المسلحة كفاعل واضح على الساحة الدولية واتخاذ "الحرب على الإرهاب" في أحد جوانبها صبغة دينية لدى كثير من الناس في العالمين الإسلامي والغربي.

     القبول بدور الدين في العلاقات الدولية، وفي توجيه السياسة الخارجية الأميركية لا يعني استثناء العوامل الأخرى كالمصالح السياسية والاقتصادية وموازين القوى من ناحية، ويثير -من ناحية أخرى- جدلا في العديد من القضايا والإشكاليات التي تتطلب حوارا موضوعيا وعقلانيا يبتعد بنا عن الاستسلام لمصائر تراجيدية دينية للعلاقات الدولية تدفع كثيرا من الناس إلى انتظار "المسيح الدجال" أو "معركة هارمجدون" وما يرتبط بذلك من نبؤات دينية وغيبية لنهاية التاريخ.

     الإشكالية الأولى تتعلق بسؤال رئيسي يجعله د.عبد الله النفيسي (أستاذ العلوم السياسية الكويتي) عنوانا لورقة بحثية له وهو: هل تنتهي مشكلتنا مع الغرب بتأمين مصالحة في منطقتنا؟، ويذهب النفيسي إلى نتائج وخلاصات تؤكد أن الدين هو محور السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة العربية، وأن الحل هو مقاومة المشروع الأميركي وعلامة الاستفهام التي تطرح على رأي النفيسي هي: هل كان فعلا هناك محاولة عربية وإسلامية لإجراء المصالحة المفترضة مع الغرب وإدارة حوار سياسي عقلاني معهم من منطلق الندية والقوة حتى نصل إلى هذه النتيجة التي وصل إليها النفيسي؟ أم أننا ما زلنا إلى الآن عاجزون عن صوغ خطاب إعلامي ذي مضمون فكري قوي يوضح مصالحنا وشروط العلاقة مع الغرب والولايات المتحدة؟ أم أننا لم نحدد بعد مصالحنا في منطقتنا بشكل جدي وموضوعي؟..

      أما الإشكالية الثانية  فتبرز من رحم الإشكالية الأولى؛ فمع الإقرار فعلا بوجود صور نمطية متبادلة بين الطرفين الأميركي والإسلامي تستدعي دوما تجربة الصراعات الدينية التاريخية أو أشباح الحروب الصليبية (على حد تعبير السيد يسين)  وصورة غربية جديدة عن العرب والمسلمين -لدى الرأي العام الأميركي- تربطهم بالتخلف والإرهاب، إلا أنّ السؤال المرطوح: هل تعبر هذه الصور النمطية عن موقف الأديان الصحيح أم عن مفاهيم خاطئة متبادلة؟ وهل مصالحنا كبشر من مختلف الأديان والثقافات أن نستسلم لمنطق صدام الأديان وهستيريا نهاية التاريخ؟ أم لمستقبل يسود فيه حوار الأديان والثقافات وتعايشها؟، وفوق هذا وذاك هل يمكن اختزال الغرب والولايات المتحدة وهذه الشعوب بالنخب السياسية والمثقفة التي تتبنى منطق الصراعات الدينية حتى نحكم بانسداد أفق الحوار الديني والحضاري؟!.

   بلا شك هناك تعبئة دينية وصور نمطية سلبية متبادلة، وهناك مشروع غربي- أميركي يسعى إلى الهيمنة  حماية لمصالح حيوية في هذه المنطقة، لكن في المقابل يجب أن يكون هناك إدراك حضاري إسلامي متقدم يصنع خطابا إعلاميا نحو الآخر يحاول أن يبني جسورا لتواصل إنساني جديد بعبر عن قيم التعاون والتعارف واللقاء على خير الشعوب والمجتمعات، ويعزل الدين عن الأطماع لسياسية والاقتصادية.

ولعل المثال الواضح في هذا السياق تلك الرسالة التي  أرسلها ستون مثقفا أميركيا يبررون فيها حروب بوش بعنوان "على أي أساس نقاتل". فرد عليهم فقهاء وعلماء دين سعوديون  برسالة حضارية متقدمة مضمونها يحمل دلالاتها الدينية والثقافية وهو "على أي أساس نتعايش"، فالأديان يفسرها البشر وهم الذين يوظفونها إما لخلق الصراعات والكوارث والكراهية وإما لوضع لبنات التعارف والتعاون والرحمة بين الناس، والمصالح هي المصالح سواء ارتدت ثوبا دينيا أو دنيويا!
m.aburumman@alghad.jo 

التعليق