إربد تستحق أكثر من أهلها ومن الدولة

تم نشره في الجمعة 12 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

 

  كانت واحدة من المدن العشر"الديكابوليس"، وقريبا منها وضمن حدودها تقع مجموعة أخرى من المدن والمواقع التاريخية، بيت راس والحصن وأم قيس(جدارا) وفحل وجرش وعجلون واليرموك. وحولها أكثر من مائة مدينة صغيرة يزيد عدد سكانها على الخمسة آلاف نسمة، بكثافة سكانية هي الأعلى في الأردن بما في ذلك العاصمة، والأكثر عددا في حصة الناخبين لكل نائب، بما في ذلك عمان.

  وعندما قامت الدولة الأردنية العام1921، كان بيت القائد السياسي والعسكري، علي خلقي الشرايري، والمكون من 36 غرفة وسبعة صالونات وقاعة كبيرة، أحد مراكز التقاء الوزراء والمشاورين والقادة السياسيين المؤسسين للدولة. ولا شك أن هذا البيت، الذي بني العام 1913، يؤشر على الحالة الحضارية والمدنية التي كانت قائمة في المدينة.    وكان في البيت، أيضا، مكتبة تضم نفائس الكتب والتسجيلات الموسيقية.  ولم يكن بيت علي خلقي الشرايري نادرا، فقد كان البيت الذي ولد فيه شاعر الأردن مصطفى وهبي التل"عرار"، والذي بني العام 1890 وما زال قائما على هيئته التي بني عليها، يتكون من سبع غرف وفناء سماوي، ومبنيا على طراز فني من الحجر الأسود وحجر القرطيان البرتقالي اللون. وأما السرايا"مركز الإدارة والحكم العثماني"، والتي بنيت العام 1886 وما زالت قائمة حتى اليوم، فإن مساحة بنائها تساوي 2208 أمتار مربعة.

  هذه المدينة المهيبة تحمل تاريخا حضاريا وسياسيا، وواحدة من أهم المدن والأماكن الأردنية التي تعبر عن المكونات الثقافية والتاريخية والاجتماعية المتراكمة، وبتواصل لا يكاد ينقطع. فهي على صلة كبيرة بدمشق ومدن الشمال الفلسطيني ولبنان والجولان، وهي تتوسط حوران الممتدة في الأردن وسورية، وتتواصل مع البادية الاردنية الممتدة أيضا إلى العراق والجزيرة العربية.

   ويعود تاريخ المدينة المعروف إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، وقد تعاقبت عليها حضارات المنطقة، الأدومية، والأرامية، والإغريقة والبيزنطية، والغساسنة، وقد انتشرت فيها المسيحية منذ القرن الثاني الميلادي. ومن المعلوم أن السيد المسيح، عليه السلام، زار منطقة الكورة وبقي فيها ستة أسابيع لدعوة الناس، وأقام في مغارة معروفة حتى اليوم.

وكانت لها أهمية في دولة الأدوميين والعمونيين، وكانت مركزا للعرب الغساسنة، ومازالت آثار الحضارات التي كانت قائمة في المدينة ماثلة حتى اليوم.

   فتح العرب المسلمون إربد العام 13 هـ (634 م) بقيادة شرحبيل بن حسنة، ووقعت قريبا منها مجموعة من المعارك الحاسمة في فتوح بلاد الشام، مثل معركة اليرموك وطبقة فحل ومرج الصفر، ثم وقعت قريبا منها معركتا حطين وعين جالوت الفاصلتان في التاريخ الإسلامي.

وكانت طوال العصور الإسلامية مركزا استراتيجيا وعلميا وثقافيا؛ فقد كانت من مراكز تزويد وحماية طرق الحج والتجارة والاتصالات والدفاع، ترتبط بها الديار المصرية والحجازية والساحل الفلسطيني. وتشير المراجع التاريخية إلى حركتها العلمية والثقافية التي تدل عليها أسماء العلماء المنتسبين إليها.

  وتتوسط إربد منطقة فريدة في العالم كله، ربما لا ينتبه إليها أهلها، وبخاصة بعد الاحتلال الصهيوني للمناطق القريبة منها، والتقسيم الجائر لسورية الطبيعية، ولكن عندما زارها الرحالة السويسري بيركهارت العام 1812، لاحظ أنه يمكنك في يوم واحد أن تمر وأنت تسير فوق حصانك في عدة بيئات جغرافية ومناخية مختلفة عن بعضها، من جبل الشيخ الذي لا تذوب عنه الثلوج، إلى سهول حوران وجبال عجلون ووادي الأردن المنخفض تحت سطح البحر، إلى البادية القريبة.

  كانت محافظة إربد حتى وقت قريب تشمل المنطقة الممتدة بين نهر اليرموك شمالا ونهر الزرقاء جنوبا، وبين نهر الأردن غربا والحدود الدولية العراقية شرقا. وكانت قبل الحرب العالمية الأولى حلقة تواصل جغرافي وبشري يشمل الجولان وحوران وشمال فلسطين حتى البحر المتوسط (حيفا)، ثم اقتطعت منها محافظات المفرق وجرش وعجلون، وكانت المنطقة تعرف تاريخيا باسم "عجلون" التي كانت مركز المنطقة حتى العام 1864، عندما نقل مركزها إلى إربد، وظلت تسمى عجلون، ثم سميت محافظة إربد، ومازالت المنطقة تسمى عمليا بإقليم الشمال.

  التركيز العمراني والتجاري والثقافي في عمان أدى إلى أزمات كبرى في أسعار العقار، والضغط على المرافق والبنى الأساسية، والحل الطبيعي والتلقائي للأزمة هو تأهيل المدن الأخرى لمنع تسرب أبنائها وهجرتهم إلى عمان، ولاستقطاب الأنشطة السياحية والتجارية.

  وحتى بدون هذه الاعتبارات، فإن مدننا الرئيسة، بتاريخها وكثافة السكان فيها وحولها، لا يجوز أن تبقى عرضة للإهمال والنسيان والعزلة.

كان التحديث الذي خضعت له المدن، ومنها إربد، فيه كثير من العشوائية والقسوة والتجاهل للسياق البيئي والعمراني، فدمرت كثير من الآثار التاريخية المهمة، مثل البرك والبيوت التاريخية، ومنها بيت علي خلقي الشرايري الذي قسمه شارع طارئ إلى قسمين.

   وبرغم الكثافة السكانية العالية، وتعدد الجامعات الحكومية والخاصة في المنطقة، وارتفاع مستوى التعليم والمعيشة، فما زالت المدينة غير مؤهلة لمواكبة هذا التطور واستيعاب الاحتياجات والأولويات الجديدة الكثيرة؛ الفنادق والأسواق التجارية المنظمة، والمراكز والمؤسسات الثقافية، والمستشفيات والمكتبات والاستثمارات والمصانع،...

  التوجه المستقبلي المتوقع نحو الأقاليم يقتضي بداهة أن يكون لكل إقليم مدنه ومراكزه ومؤسساته، التي تجعله مستقلا في احيتاجاته ونموه وموارده عن المركز، وبغير ذلك فإن الحكم المحلي لن يكون فاعلا ولا يعمل في مجال أهدافه المفترضة.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق