منار الرشواني

نصر آخر في الحرب على الإرهاب!

تم نشره في الأربعاء 27 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

  يوم الخميس الماضي،عُقد اجتماع ضم نائب الرئيس الأميركي وثلاثة من أعضاء من الحزب الجمهوري في لجنة الشؤون العسكرية في مجلس النواب الأميركي. الهدف من الاجتماع، الثاني من نوعه، هو منع إقرار تشريع أميركي مقترح - يجد تأييدا من قبل أعضاء جمهوريين في المجلس- يحظر على الجيش الأميركي معاملة السجناء (في إطار ما يسمى الحرب على الإرهاب) بشكل "وحشي أو لا إنساني أو حاط للكرامة"، كما يحظر على هذا الجيش "إخفاء السجناء عن مسؤولي منظمة الصليب الأحمر، أو استخدام وسائل تحقيق غير مسموح بها في الدليل الميداني الجديد للجيش".

    بعبارة أخرى، الهدف الرئيس والوحيد للاجتماع هو "منع" صدور قانون يحرم ممارسة الجيش الأميركي للتعذيب على نحو ما حصل (ولربما مازال يحصل) في معسكر غوانتنامو وسجن أبو غريب وغيره في العراق.

    تبرير الإدارة الأميركية رفضها لهكذا قانون، وكما ورد على لسان مسؤول في البيت الابيض بحسب صحيفة "واشنطن بوست"، أنه -أي القانون- سيصادر سلطة الرئيس الأميركي ويعيق قدرته "على حماية الاميركيين بشكل فعال من هجوم إرهابي".

    ورغم أن التعذيب محرم دوليا بأي شكل من الاشكال، وتحت أي ظرف من الظروف، إلا أنه يمكن لنا أن نجد بدورنا تبريرا للتبرير الأميركي، ليس أقلها أن الولايات المتحدة تخوض حربها ضد الإرهاب في مواجهة عدو أقرب إلى الهلامية، وغير محدد ببقعة جغرافية محددة على النمط التقليدي، بل والمنطقي للحروب. كما أن هذا العدو، من ناحية أخرى، لا يستهدف المواقع العسكرية أو الأفراد العسكريين، بل هو يركز على الأهداف المدنية أساسا، كما ظهر ذلك في منذ هجمات الحادي عشر من أيلول 2001 على نيويورك وواشنطن، مرورا بهجمات مدريد في الحادي عشر من آذار 2004، وليس انتهاء بهجمات لندن في السابع من تموز 2005.

    هي إذن، وباختصار، ضرورات تبيح المحظورات. فحقن دماء مئات أو آلاف الأبرياء قد يجعل من الضروري، لا مباحا وحسب، ممارسة التعذيب للحصول على المعلومات الضرورية لتحقيق تلك الغاية النبيلة.    لكن إن ارتضينا التبرير الأميركي، وارتضينا -بالتالي وبالتأكيد- تبريرنا نحن لهذا التبرير -وبعد أن أطاحت الولايات المتحدة علانية، منذ بدء "الحرب على الإرهاب" عقب هجمات 11 أيلول، بكل قواعد القانون الدولي، وفي مقدمه القانون الدولي الإنساني، أو قانون الحرب، وكما يعبر عن ذلك بكل وضوح وجلاء "جون يو"، نائب مساعد المدعي العام الأميركي في فترة ما بعد هجمات 11 أيلول، وأحد عرابي رفض تطبيق اتفاقيات جنيف على المعتقلين في "الحرب على الإرهاب"، من أنه ليس هناك "شروط محددة لمحاكمة الإرهابيين أو اعتقالهم" وهم "لا يستحقون حماية القانون"- يبقى السؤال المهم، وقطب الرحى في هذه المعادلة: من هو الإرهابي من وجهة النظر الأميركية في حربها هذه، والذي يستحق حكما ممارسة التعذيب بحقه؟

     خلافا لكل تصريحات الإدارة الأميركية يبدو أن القاسم المشترك بين جميع الإرهابيين "المزعومين"، إذ لم يحاكم أي منهم إلى الآن، هو أن يكون الشخص عربيا أو مسلما أو كليهما، ربما (وليس بالضرورة) تواجد "في المكان الخطأ في التوقيت الخطأ". لكن الجريمة الأكبر تتمثل في المبدأ الذي يحكم سياسة الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب وتجاه الإرهابيين، وهو مبدأ يمكن تلخيصه في "إرهابيون حتى تثبت إدانتهم"!

    يظهر هذا المبدأ جليا في قصة معتقلي غوانتنامو، كما في معتقلي سجن أبو غريب. فبعد تعرض جزء كبير منهم على الاقل، إن لم يكن جميعهم، لعمليات تعذيب منظمة على أيدي الجيش الاميركي، يتم بين الفينة والأخرى الإفراج عن عدد من هؤلاء المعتقلين دون توجيه أي اتهام لهم أو محاكمتهم، بعبارة أخرى فقد تم اعتبارهم "إرهابيين" لا يستحقون حماية القانون بل يستحقون التعذيب، إلى أن يتم إطلاق سراحهم "وليس تبرئتهم"! وتذكر "جانيس كاربينسكي" -التي كانت مكلفة بالإشراف على المعتقلات الأميركية في العراق، وهي القائد الأميركي الوحيد التي تم إدانتها في فضيحة تعذيب المعتقلين في سجن أبو غريب- صراحة أنها عندما حاولت الاعتراض على وجود معتقلين أبرياء في العراق والتي قدرتهم بحوالي 80% من سجناء أبو غريب، كان الرد الذي تلقته: "لا يهم ما إذا كنا نعتقل 15000 عراقي بريء. إننا نكسب الحرب".

    مناسبة هذا الحديث وأهميته، وضرورة أن نعرف من هو "الإرهابي" من وجهة النظر الأميركية، توضحها كاربينسكي -وعن حق- في مقابلتها السابقة أيضا، بقولها: "كل شخص بريء يتم اعتقاله يصبح عدوا لنا [للأميركيين] في الدقيقة التي تلي مغادرته للسجن". لكن الحقيقة أن هؤلاء الأبرياء المعذبين قد يغدون أعداء لنا جميعا.

    ولأننا اعتدنا، ومنذ وقت ليس بالقصير، أن نكون اعتذاريين، ودائما في موضع الاتهام، قد يبدو مثل هذا الحديث محاولة لتبرير الأعمال الإرهابية أينما حصلت، طالما ارتكبها عرب أو ارتكبت باسم الاسلام، وننسى دائما أننا أصحاب القضية الأولى والمتضررون الأوائل من الإرهاب، أيا كان سببه ودافعه، وأننا دائما، وبكل ما في كلمة دائما من معنى، من يدفع ثمن كل عمل إرهابي أينما وقع.. ندفعه من دم مواطنينا أو من لقمة عيشهم، عندما يضرب الإرهاب عصبا اقتصاديا، كما ندفع الثمن بتشويه صورتنا في أرجاء العالم كافة. وكما نقر بمسؤوليتنا على غير صعيد على خلق هذه الظاهرة، فإن علينا أن نسائل غيرنا عن دوره أيضا، وهي الولايات المتحدة الأميركية.

    يبقى القول، إنه إذا كانت الولايات المتحدة قد مارست التعذيب بشكل مباشر أو غير مباشر (بالوكالة) بحق مواطنين عرب ومسلمين، وبشكل موثق، منذ العام 1995 على الأقل، إلا أن إباحته ليتم على أيدي أفراد الجيش الاميركي يجب أن يشار إليه كواحد من أهم الانتصارات التي تسجل في الحرب على الإرهاب، لكنه وإن كان نصرا بأيد أميركية، إلا أنه بالتأكيد ليس نصرا لأميركا أو الحرية الراسخة، بل هو نصر لكل لكل ما عدا ذلك، وعلى رأسها الإرهاب بأي تعريف شئنا!

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق