إبراهيم غرايبة

ثقافة الإرهاب وثقافة مكافحة الإرهاب

تم نشره في الأربعاء 27 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

 يثير ربط الإرهاب بالظلم والفقر لبسا يحتاج إلى توضيح، فالبعض يرى في ذلك تبريرا للعنف الأعمى غير المبرر أبدا، وإعفاء للمجرمين من جريمتهم، ويشبه تبرير السرقة والسطو بالفقر أو التعرض للإساءة، فالجريمة هي الجريمة.

  وقد أرسل لي الأستاذ حسن العمري(الباحث في مركز للدراسات في دولة الإمارات) معارضا لمقالة الإثنين الماضي "مكافحة الإرهاب والطريق الصحيح"، ويقول: لقد ترسخت ثقافة ترضى بالإرهاب وتشجعه، وهي مقولات يتبناها مفكرون ومثقفون وسطيون من غير الإسلاميين بالإضافة إلى مشايخ ونواب وصحافيين، وتجد قبولا واسعا حتى لدى جمهور نانسي عجرم.

  وحتى العدالة الاجتماعية المطلوبة فإن المسؤول عن تحقيقها أو غيابها -برأي الاستاذ العمري- ليس فقط السياسات الحكومية، ولكنها تعود إلى ثقافة "القسمة والنصيب" والرضا بالواقع والقبول به، وإذا كان الإرهاب ثورة على الظلم فلماذا يقتل النساء والأطفال والمدنيون الأبرياء، وما العلاقة بين العدالة وقتل هؤلاء؟

  لماذا لم يؤد الظلم والفقر إلى قيام حركات احتجاج سلمي مدني مثل برنامج غاندي ومانديلا؟ لماذا لا يعلن هؤلاء عن أهداف لتحقيق العدل والحرية؟ فما يبدو واضحا أنهم يقومون بجرائم فظيعة طمعا في الوصول إلى الجنة، فالعدالة والحرية باعتقادهم هي في السماء وليس في الأرض، في الحياة الآخرة وليس في هذه الحياة الفانية!

  ماذا عن فقه الطاعة والخضوع والقبول المعزز بالأدلة الشرعية والأمثال الشعبية؟ لماذا تكون قسمة ونصيب الإنسان الياباني هي التقدم والرفاهية، ويكون قدر العرب والمسلمين هو الفقر والمرض؟ عندما قلت هذا الكلام على مسمع أحد هؤلاء من المتفيقهين اتهمني بأني أعترض على قضاء الله وقدره.

  وبالطبع فإن ملاحظات الأستاذ حسن العمري والتي يوافقه فيها كثير من المثقفين هي صحيحة وجديرة بالاعتبار، وربما تكون مقالة الأستاذ محمد أبو رمان إلى جوار مقالتي بعنوان "الشرط الثقافي للإصلاح" مكملة للفكرة.

  ولكن المشكلات والحلول ليست في مقدمة واحدة تؤدي إلى نتيجة، بل في شبكة من المشكلات المتفاعلة والتي يؤدي تفاعلها إلى متوالية من المشكلات، وتواجهها شبكة من الحلول المتفاعلة والتي يؤدي تفاعلها أيضا إلى متوالية من الحلول والمشكلات أيضا، ولا يستطيع أحد أن يزعم في رؤيته لمشكلة معقدة مثل العنف أن الأزمة في الفقر والظلم والحل في التنمية والعدالة، هكذا ببساطة وحتمية.

  ولكن أكثر ما أثار تخوفي أن تكون مقولة العدالة الاجتماعية تبريرا للجريمة والعنف، أو اعتقادا بأن العنف الدائر يهدف إلى تحقيق العدل والنهضة، وأنه احتجاج مباشر على الظلم والفقر والفساد.

  ولحسن الحظ فإن أحدا من جماعات وأفراد العنف والتطرف لم يشر إلى العدالة الاجتماعية والتنمية كهدف يسعى إليه، أو مبرر للجرائم التي وقعت وتقع في العراق ومصر وتركيا وبريطانيا ودول أخرى كثيرة.

  ولكن المسألة ببساطة أن الاحتلال والظلم والفساد يشكل بيئة مناسبة للجريمة والعنف، وهذه من الرؤى الراسخة في الفكر والثقافة على مدى التاريخ والجغرافيا، وتشبه إلى حد بعيد فكرة المرض والمناعة.

   فمقاومة الأمراض تعتمد أساسا على وجود مناعة قوية في الجسم للمرض، وعندما تنهار المناعة أو تضعف يصبح الجسم عرضة للمرض لأدنى سبب، وهنا يكون السؤال البسيط البديهي، حتى نقاوم المرض هل يجب أن نقاوم الميكروبات والفيروسات والحشرات وكل أسباب المرض الكثيرة الهائلة أم نقاوم ضعف المناعة؟ فلحماية إنسان ضعيف أو فاقد للمناعة نحتاج إلى مجهود خارق من العناية والوقاية يصعب بل يستحيل مواصلته، ولكن ما نقوم به فقط بشكل مؤقت حتى يستعيد الجسم مناعته، وهو ما نقصده تماما في مكافحة الإرهاب، فالمطلوب هو تحقيق قدر كاف من المناعة على الإرهاب وثقافة العنف والتطرف، وهذا ما يرجح تحقيقه بالعدالة والحرية والعلم والتي هي قيم إنسانية عليا تجمع عليها الأديان والثقافات والتجارب البشرية.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق