ياسر أبو هلالة

من يقتل المدنيين في العراق؟

تم نشره في الخميس 21 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

الحكومة الأميركية لا تستطيع اتهام أبو مصعب الزرقاوي بالوقوف وراء المسح الذي أجرته منظمة بريطانية-أميركية، وأظهر أن أكثر من ثلث القتلى المدنيين في العراق (37%) تتحمل دمهم قوات التحالف، وفي الدرجة الثانية (36%) يتحملها المجرمون، أما المسلحون الذين يوصفون حينا بـ"المقاومة" وحينا بـ"الإرهاب"، فلا يتحملون غير 9%!

طبعا النتائج لا تسر الأميركيين ولا الحكومة العراقية، ولا تسر الزرقاوي أيضا، لأنها صادرة عن منظمة "إحصاء الجثث"، وهي منظمة بريطانية-أميركية، لو أنه عثر على أحد إعضائها أثناء مسوحاته في العراق لكن مصيره الإعدام المتلفز. فمن يقنع الزرقاوي أن ثمة أميركيين وبريطانيين ضد حرب بوش؟ وفي الوقت الذي سمعنا تعليقا على المسح من قبل الجيش الأميركي، لم يصدر عن المقاومة العراقية أي تعليق، مع أنه يثبت أن المقاومة في حربها ضد الجيش الأميركي أرحم من الجيش في حربه ضد المقاومة.

الدراسة مفاجئة، خصوصا أنها تخالف الصورة النمطية التي نقلها الإعلام في عراق ما بعد الحرب. فالمسلحون هم من يفجرون في المناطق المدنية ويحصدون أرواح الأطفال والنساء والرجال العزل، مقابل الصواريخ الذكية للجيش الأميركي والحملات الدقيقة للحرس الوطني والشرطة العراقية.

ومن مفاجآت الدراسة، أن واحدا من كل 137 في الفلوجة قتلوا، وهو ما يعني في مجتمع عشائري كالفلوجة أن القتل مس كل عائلة، وأن ثأرا مفتوحا بين المدينة ومهاجميها لن يغلق بابه، ولن يستطيع أحد أن يقنعهم أن من قتلهم عناصر المقاومة الذين تحصنوا بالمدينة. أما بغداد، فإنها ضمت نصف الوفيات في صفوف المدنيين.

وتشمل الارقام المدنيين ومجندي الشرطة والجيش ورجال الشرطة، لكنها لا تشمل القتلى من جنود الجيش العراقي او المقاتلين المسلحين "لعدم توفر احصاءات يعتد بها... سواء رسمية او غير رسمية".

واستقت المجموعة بياناتها من تحليل اكثر من عشرة آلاف تقرير صحافي واعلامي، بما في ذلك الارقام التي توضح ان 42 الف مدني اصيبوا في الفترة نفسها. وتعكس هذه الحصيلة صورة طبق الاصل تقريبا لنتائج دراسة مسحية مولتها الامم المتحدة في العام الماضي، ورصدت نحو 24 الف حالة وفاة مرتبطة بالحرب، منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة.

وحصر مسح آخر، نشرت نتائجه دورية لانسيت الطبية في بريطانيا في تشرين الاول الماضي، حوالي مئة الف وفاة في الشهور الثمانية عشرة التي تلت الغزو، اكثر من نصفها يرجع الى العنف، وعارض مسؤولون اميركيون وبريطانيون هذه النتائج.

ونظرا لاضطرار وسائل الاعلام في العراق للتركيز على بغداد لاسباب امنية، فمن المرجح ان تكون حصيلة الوفيات التي توصلت اليها مجموعة احصاء جثث العراق اقل من الواقع.

واستغربت وكالة رويترز التي نقلت نتائج المسح النتائج، وعلقت: "لا يبدو هذا متطابقا مع الوضع على الارض حيث ينتشر العنف من جانب المسلحين. وقد يعكس هذا وضع مصادر الاعلام، حيث لا يتضح لها عادة من قام بهجوم معين. ووفقا لمجموعة احصاء جثث العراق، فإن "عناصر غير معروفة" مسؤولة عن 11% من الوفيات".

وقال بويلان، المتحدث باسم الجيش الاميركي، معارضا الاستنتاجات حول المسؤولين عن الوفيات: "لا أعرف كيف يبنون منهجيتهم، ولا استطيع ان أتكلم عن كيفية حسابهم للارقام".

أهمية الدراسة تكمن في أن الأرقام على الأرض غير تلك التي تظهر على الشاشة يوميا، وهو ما يتطلب من المعلقين والمنظرين والسياسيين أن يمتلكوا شجاعة التراجع عما اقترفوه من جراء اعتمادهم على ضخ الصور اليومي، وأن يمتلكوا شجاعة أكبر للقول "كفى قتلا للمدنيين"، تارة  باسم تحريرهم من إرهاب صدام، وتارة باسم تحريرهم من إرهاب المقاومة.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق