الحرب على الإرهاب لم تجنِ إلا الفشل

تم نشره في السبت 16 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

   الهجمات التي تعرّضت لها العاصمة البريطانية، لندن، الأسبوع الفائت، أعادت إلى الذهن صور الإرهاب المرعبة في نيويورك في 11 أيلول 2001، وفي بالي إندونيسيا في 12 تشرين الاول 2002، وفي مدريد 11 آذار 2004، وفي مواقع كثيرة أخرى حول العالم.

    بعد الإدانة والشجب والتعاطف مع الضحايا وأسرهم، وبعد التنديد باستهداف الأبرياء والمواقع المدنية الآمنة بأساليب موغلة في القسوة، وحتى الوحشية، انقسمت ردود الفعل إزاء أحداث لندن إلى قسمين. أحدهما يصّر على أن الإرهاب هو شرّ مطلق، وشرّ أعمى تسيّره غرائز القتل واحتقار الحياة، لأجل القتل. ويصرّ أرباب هذا الرأي على أن الإرهابيين هم مجرمون قتلة، يعتنقون الفكر المتخلّف، والعقائد المعادية لقيم الحضارة الحديثة والحرّية والديمقراطية والسلام؛ ولذلك فإن الطريقة الوحيدة لاستئصال هذا الشرّ هي استخدام القوّة، ومواصلة الحرب على الإرهاب حتى ينتهي، وحتى يتخلّص العالم منه مرّة وإلى الأبد.

    أما القسم الثاني، فهو الذي يربط الإرهاب بالظلم، ويعتبره نوعاً من ردّ الفعل الحتمي (وإن غير المبرر) على المعاناة من ألم الظلم، وأن أي مسعى لتخليص العالم من شرّ العنف الإرهابي لن يكتب له النجاح إذا لم يعالج مُسبّبات الإرهاب ويسعى إلى إزالتها أيضاً. والمشكلة أن كل من يتبنى هذا الفكر يعرّض نفسه للاتهام بأنه يبرّر الإرهاب، لا بل هو يتهم بأنه يقرّه ويستسيغه.

    لقد بدأت الحرب على الإرهاب بعد أحداث 11 أيلول بهجوم قادته الولايات المتّحدة على أفغانستان، لأن نظام طالبان هناك هو الذي وفّر المأوى والحماية لأسامة بن لادن ولتنظيم القاعدة، الذي تبنى، بصيغة أو بأخرى، هجمات الحادي عشر من أيلول بكل فظاعتها. وقد حظيت أميركا بدعم دولي واسع في حربها ضدّ طالبان، وفي حملاتها المكثفة ضد الإرهاب ومحاصرته بالمراقبة الاستخبارية وبتجفيف منابع تمْويله، وبالتعاون مع دول العالم قاطبة في مطاردة الإرهابيين وتدمير بنيتهم التحتية وتفكيك خلاياهم ومنظماتهم أينما وجدت. لكن كل ذلك لم يحقق النجاح المطلوب، لا في تخليص العالم من الإرهاب ولا حتى في تقليص العمليات الإرهابية فيه.

     وقد انعكست هذه الحقيقة في تقرير وزارة الخارجية الأميركية السنوي، الذي اضطرت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس إلى إصدار أمْر بسحبه من التداول واستبداله، بهدف إخفاء تلك الحقيقة. إذ كشف التقرير عن زيادة كبيرة في العمليات الإرهابية، من 172 هجوما إرهابيا العام 2003 إلى 655 هجوما العام 2004 (مقال جوليان بيرغر، الغارديان 23/4/2005).

    هنالك أسباب كثيرة لفشل الحرب على الإرهاب؛ أهمّها التغاضي المقصود عن الاعتراف بأسبابه، وبالتالي إغفال معالجتها. كيف يمكن أن يتحقق النجاح في معالجة أي داء دون تشخيصه ومعرفة مسبباته؟ لم يكن من السهل على الولايات المتحدة أن تعترف بأية علاقة بين هجمات 11 أيلول وسياستها الشرق أوسطية، لما يترتب على ذلك من تبعات وعواقب ومسؤوليات ومحاسبة، لم يكن في وسع أي من المسؤولين الأميركيين مواجهتها. ولم يكن في وسع واشنطن أن تعترف أن المواطن الأميركي بدأ يدفع دمه، بعد أن دفع ماله، من أجل تحمّل أوزار الظلم والتعسّف الإسرائيلي على مدى السنين في قلب المنطقة.

     ولم يكن باستطاعة الحكومة الإسبانية أن تعترف أن الدم الإسباني البريء، الذي أُهدر يوم 11 آذار 2004، كان ثمناً لإقحام إسبانيا في حرب ظالمة ضدّ العراق، فسارعت حكومة أزنار، آنذاك، إلى الإعلان فوراً أن الهجمات الإرهابية كانت بفعل داخلي، لكن هذه الحجّة لم تنطل على الشعب الإسباني الذي وقف ضدّ الحرب، فسرعان ما سقطت الحجّة وسقطت معها حكومة الحرب برئاسة أزنار.

     لا بدّ من التأكيد على أن الجريمة لا تبرر الجريمة؛ فالإرهاب مرفوض بغض النظر عن مسبباته ودوافعه. لكن  معرفة الأسباب، والاعتراف بها، هي الخطوة الأولى على طريق المعالجة. لقد انحرفت الحرب على الإرهاب عن مسارها عندما تخلّت عن مهمتها في أفغانستان وتوجهت إلى العراق لأسباب لا علاقة لها بالإرهاب، فكان من شأن ذلك أن كرّس الظلم ضدّ دول وشعوب المنطقة بدلاً من العمل على اقتلاعه من جذوره، وكانت النتيجة أن الإرهاب انتشر انتشاراً خطيراً، وأدّت الحروب التعسفية الظالمة إلى تمكين المنظمات الإرهابية من توسيع قواعد مؤيديها، ومن تجنيد الملايين من الغاضبين والمظلومين والحاقدين واليائسين والمذلولين.

     لم يكن نظام صدّام حسين مثالياً بكل تأكيد، فذلك أمر بدهي، لكن البدهي أيضاً أن العراق كان بلداً عصيّاً على الإرهاب ومحظوراً على الإرهابيين. ما هي المصلحة إذن في تحويله بعد الحرب إلى ساحة مستباحة لأبشع الممارسات الإرهابية؟ وما الحجّة بأن محاربة الإرهابيين في العراق هي البديل عن محاربتهم في المدن الأميركية، إلا محاولة يائسة للبحث عن مبررات جديدة لحرب تحوّلت إلى ورطة مكلفة ومدمّرة؟!

     لقد تكشفت الأمور إلى درجة لم يعد من السهل إخفاؤها. وحتى توني بلير اضطر للاعتراف بالعلاقة بين ما جرى في لندن وما يجري في الشرق الأوسط، حين أبلغ محطة "بي بي سي" أنه: "بينما يتوجب علينا معالجة النتائج لحماية أنفسنا بالقدر المتوفر لأي مجتمع مدني، فلا بد من المحاولة لاقتلاع [الإرهاب] من جذوره"، وهذه الجذور كما وصفها بلير تشمل الصراع الذي يشتد ضراوة في فلسطين.

    لا يجوز أن تستمر الحرب على الإرهاب بانتهاج الأساليب الخطأ في المواقع الخطأ، وفي حصد العواقب الخطأ. ولا يجوز أن تظل هذه الحرب ذريعة لانتشار الرعب والإرهاب بهذا الشكل الخطير الذي يهدّدنا جميعاً.

لا بد لحلقة الشر أن تنكسر، ولا بد من التوقف عن هدر الدم العراقي والفلسطيني والإسرائيلي والبريطاني والإسباني بالعودة إلى الشرعية الدولية، وبكبح جماح عبث القيادات المغامرة بمصائر وحياة شعوب هذا العالم البريئة.

التعليق