حركات اجتماعية "جديدة" تقول "لا" للحرب و"لا" للفقر

تم نشره في السبت 9 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

    من تظاهرة العشرة ملايين إنسان في العالم ضد الحرب على العراق، في منتصف شباط 2003، والتي رفعت شعارات "لا للحرب" و"لماذا العراق"، وشاركت فيها حركات اجتماعية قديمة/جديدة، وأفراد يحفزهم حس بالعدل (أو بالظلم) وقوة أخلاقية تدفع إلى الوقوف ضد ما يسمى بقوى "الاستكبار العالمي"، إلى المسيرات والتظاهرات الحاشدة التي تعيشها أدنبرة عاصمة اسكتلندة هذه الأيام، والشعار هو نفسه: "لا للحرب"، و"لا للفقر" الذي يميت أكثر من ثلاثين ألف طفل يوميا، و"لا للعولمة" بوجهها البشع، فإن السؤال الذي يطرح في هذا السياق المتنامي: هل تستطيع الحركات الاجتماعية " الجديدة " أن تحد من هيمنة هواة الغولف على العالم بحسب التعبير الشهير لنادي روما ؟ وأن تمهد لعالم جديد يحد من الحرب والغزو والنهب والفقر ؟ خاصة مع تنامي قدرة هذه الحركات الجديدة كما يصفها أندريه غندر فرانك على تحفيز وتعبئة عشرات الملايين من الناس وفي كل أنحاء العالم وبالأخص في القارة العجوز (أوروبا ) حيث درجات الحرارة في بعض التظاهرات كانت ما دون الصفر بكثير ، على التظاهر ضد الحرب وضد العولمة والنزول إلى الشوارع في تظاهرات غير مسبوقة في تاريخ القارة القديمة ؟

    الواقع الجديد يطرح على بساط البحث مجموعة من الأسئلة : هل تشكل الحركات الاجتماعية "الجديدة" بديلاً للحركات الاجتماعية الطبقية القديمة ؟ وهل تستطيع هذه الحركات الجديدة أن تمثل بديلاً (أو يبدو أنها تقدم ذلك كما يتحفظ أندريه فرانك) أكثر إشاعة للأمل في السعي إلى تحقيق الحرية والإخاء والمساواة ؟ وهل تستطيع هذه الحركات الوقوف في وجه نمر العولمة الأميركي، بحسب توصيف توماس فريدمان في "ليكزاس وشجرة الزيتون، 1999"، والذي يقسم العالم على طريقة ابن لادن إلى فسطاطين: فسطاط القبيلة الشقراء من الأخيار، الذين تمكنوا من امتطاء صهوة نمر العولمة، وفسطاط الإرهابيين والأشرار، الذين تخلفوا عن الركب، فراحوا يناوشون على طريقة الهنود الحمر العربات الخلفية للركب الحضاري الذي يجتاز الممر الضيق باتجاه سقف التاريخ، بحسب توصيف فرانسيس فوكوياما؟

     من وجهة نظر أندريه جندر فرانك ومارتا فوينتس في دراستهما عن "الحركات الاجتماعية الجديدة" (في التاريخ العالمي الحديث)، فإن هذه الحركات هي في جوهرها دفاعية أكثر منها هجومية باستثناء بعض الحالات، ويستجيب نهوضها وانحسارها بصورة متزامنة للظروف التاريخية المتغيرة، والتي تعبر عن نفسها في نشاط احتجاجي عالمي، وهي نتيجة للفشل الذي أصاب حركات القرنين التاسع عشر والعشرين التاريخية الثلاث (الحركات التحررية الثورية، والطبقة العاملة، والاشتراكية الماركسية) في توفير ما يكفي من "سلع" الحرية والإخاء والمساواة، على حد تعبيرهما. فقد فشلت الحركات الثورية والتحررية في تحقيق الديمقراطية السياسية/الحرية، وفشلت الطبقة العاملة في تحقيق الديمقراطية الاقتصادية/المساواة، وفشلت الاشتراكية الماركسية في تحقيق الاثنين معاً، الإخاء والمساواة !

    في هذا السياق، تظهر الحركات الاجتماعية الجديدة (حركة الخضر التي تحولت إلى حزب، وحركات البيئة وأنصار السلام، والحركة النسوية، والأقليات المهاجرة، والمثقفون في بياناتهم "الحرب ليست باسمنا"، وحتى المثليون الذين تظاهروا ضد الحرب على العراق) على أنها تقدم بديلاً، أو يبدو أنها تقدم - كما أسلفنا- بديلاً أكثر إشاعة للأمل بتوفير ما يكفي من سلع الحرية و الإخاء و المساواة.

    والأهم من ذلك قدرتها، كما يرى فرانك وفوينتس، على القيام بدور متعاظم في تعبئة أعداد أكبر من الناس مما تفعل الحركات الطبقية القديمة، التي مارست حضوراً في تظاهرات القارة العجوز، كما هو الحال مع الحزب الشيوعي الإيطالي، الذي تظاهر أفراده ضد الحرب وهم يرفعون شعارات لغة ماركسية منسية في عدائها للإمبريالية.

     من هنا، يرى فرانك وفوينتس أن الحركات الاجتماعية الجديدة باتت أكثر أهمية وشمولية من حيث تناولها لهموم العالم المتعلقة بالحرية والإخاء والمساواة. فما يحفز الملايين المتظاهرة ضد الحرب على العراق والآلاف المتظاهرين في أدنبرة، هو قوة أخلاقية وحس بالظلم الإنساني. من هنا قدرة هذه الحركات الجديدة على تعبئة عشرات الملايين من الناس في كل أنحاء العالم، الذي يشهد على تحول نشاطها إلى نطاق فوق قومي، بعد أن عجزت جميع الدول، شرقاً وغرباً كما يقول فرانك وفونيتس، عن توفير الإخاء الديمقراطي أو التضامن في شتى ميادين العلاقات الشاملة للمجتمع المدني.

    في رأينا، فإن الحركات الاجتماعية الجديدة، بطابعها الدفاعي ونطاقها فوق القومي أو العابر للقوميات، و التي يحفز أفرادها حس أخلاقي وحدس كبير بأن العالم بات نهباً لهواة الغولف، ومجالاً مفتوحاً لحفدة كولومبوس من النهابين، بحسب غارودي وتشومسكي، من شأنها (الحركات) أن تدفع الدول الثماني المجتمعة في أدنبرة إلى مراجعة حساباتها.

     قد لا تنجح هذه الحركات في فرض رؤيتها في المدى القريب، ولا في صد طائر الرخ الأميركي، بحسب توصيف هنتنغتون، لكن تظاهرة الآلاف في أدنبرة تشهد على أن هذه الحركات، التي تظهر في أوقات الشدة، هي في تنام، وأنها قادرة على فضح ما يظنه رسل الهداية الأميركية بأنهم من  دعاة الحرية والديمقراطية!

    "إن قتل الأبرياء ليس حلاً، إنه مشكلة"، هذا ما يقوله أحد الشعارات المناهضة للحرب. وأن الفقر الذي يسود العالم هو نتيجة لعالم تغيب عنه المساواة ويسود فيه الظلم. من هنا أهمية هذه الحركات الاجتماعية الجديدة في رفعها لشعار "لا " لهواة الغولف وحروبهم الجديدة، و"لا" للفقر بكل صوره وأشكاله.

التعليق