د.باسم الطويسي

افريقيا: الوعد الجريح بالحياة

تم نشره في الجمعة 8 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

   تختتم اليوم الجمعة في اسكتلندا قمة مجموعة الثماني، حيث كان جياع العالم على مائدة المتخمين، وسط اكبر اجراءات امنية وفي مقابل واحدة من اكبر حركات الرفض والتحريض ضد سياسات الكبار، وضمن ترويج اعلامي ودعائي واسع سبق القمة وتخللها.

    حاول الخطاب الاعلامي المتصاعد كشف الوجه الكالح والبائس للقارة الافريقية الفقيرة والمريضة والجائعة، والتي اتخذها الكبار في اسكتلندا احد العناوين الكبرى لقمتهم، بعد يومين من انتهاء قمة الاتحاد الافريقي، الذي دغدغت مشاعر قادته الحملة الاعلامية الكبرى الممتدة من نجوم الروك والسينما مرورا بفعاليات طوفان كبير من منظمات المجتمع المدني العالمي، ووصولا الى النوايا الطيبة التي حرص رئيس الوزراء البريطاني، رئيس القمة، على اظهارها حيال الملف الافريقي.

     وفي ضوء ما خلصت اليه القمة، وعلى الرغم من الوعد بالحياة لافريقيا وفقراء العالم، لا يمكن تجاوز عتبة الامل نحو افريقيا الجديدة دون تجاوز عتبة التاريخ التي اوصلت هذه القارة الى الاحوال الكارثية التي يحياها اليوم حوالي (800) مليون انسان هم سكان افريقيا، والذين يحيون وسط المشهد المزمن بين الفقر والجهل والمرض والحروب. إذ يعيش اكثر من 40% منهم بأقل من دولار واحد في اليوم، ويهدد نقص الغذاء نحو 200 مليون افريقي، ويقتل مرض الايدز نحو مليوني انسان كل عام. وفي نفس الوقت، هي القارة التي عُذّبت اكثر من غيرها بحروب الاخرين؛ فقد شهدت 186انقلابا و26 حربا كبيرة خلال خمسين عاما مضت، فيما لازال اكثر من 40% من سكانها يعانون من الامية والجهل.

       كل هذه الاحوال الكارثية تحتاج الى منظور تنموي تاريخي لفهمها وتجاوزها، لا يتوقف عند مفهوم فائض القيمة التاريخي وحده، والذي يذهب الى تفسير احوال تخلف افريقيا عن ركب الحضارة وفقرها المزمن بالعودة الى الموجات التاريخية من الاحتلالات والتبعية التي شهدتها القارة، وشملت موجات من التدمير والنهب والابادة التي مارسها الغرب عبر اكثر من ثلاثة قرون، من خلال تدمير الاصول الحضارية ومقومات الحياة والتنمية مرة، ونهبها وتكديسها في المراكز الحضارية مرة اخرى، لصناعة المستقبل الغربي ووصولاً الى ما نشهده اليوم من هيمنة قواعد التجارة العالمية المعاصرة التي تكرس الهيمنة الجديدة وتقوض فرص الخلاص والتحرر الذاتي من امراض افريقيا المزمنة.

     فبينما وعدت قمة الكبار بشطب 60 مليار دولار من ديون الدول الافريقية الفقيرة الاكثر مديونية، بعد فشل برامج تخفيف اعباء الديون، تطالب الدول الافريقية بشطب ديونها كافة والبالغة 231 مليار دولار، ووضع اسس اكثر عدالة في تسيير التجارة الدولية، وبالتحديد فيما يتعلق بالسلع الزراعية الافريقية. فمن المعروف ان الدول الصناعية الكبرى تقدم حوالي 300 مليار سنوياً لدعم مزارعيها، مما يحول دون نمو قطاع الزراعة التصديري في افريقيا، الذي تعتمد عليه معظم الاقتصادات الافريقية، والتي لم تشهد خلال السنوات الماضية اي زيادة ملحوظة، علماً بأن هذا القطاع يشغل حوالي 70% من القوى العاملة الافريقية.

      قبل سنوات قليلة، ذكر احد التقارير الدولية ان بعض الشركات العملاقة، التي يطلق عليها العابرة للقوميات، تستطيع شراء افريقيا جنوب الصحراء واعادة بيعها مرة اخرى؛ بمعنى القدرة على شراء الاصول التنموية والرأسمالية وقوة العمل، أو بعبارة أخرى تستطيع هذه الشركات شراء جهد البشر والانهار والصحراء والغابات والسفاري وحيوانات افريقيا النادرة ورمالها ومناجم ذهبها، في اشارة بالغة الدلالة الى المستوى الذي وصلت اليه القواعد الاقتصادية التي تحكم العالم اليوم، حينما يتحول خمس البشرية، والمنجم الاول للاقتصاد العالمي، وقبل ذلك الموطن الاول للانسان، الى مجرد سلعة تباع وتشترى!

      صحيح ان الوعد بالامل الذي اطلقته قمة اسكتلندا يشكل محاولة لتجاوز العتبة الاولى في مواجهة امراض افريقيا الاقتصادية والاجتماعية، ضمن سلسلة من العتبات التي يتطلب تخطيها، الا ان هذا الوعد سيبقى وعداً جريحاً لا تكتمل فيه شروط التفاؤل التاريخي. فمازال هذا الوعد يفتقد لاعتراف علني من قبل الغرب، إلى جانب مسؤوليته التاريخية والاخلاقية عن الوضع الانساني والحضاري الحرج الذي وصلت إليه. كما يبقى هذا الوعد مشوباً بالحذر والريبة حول مستقبل ادارة التنمية الافريقية؛ إذ من الممكن ان تفتح النوايا الطيبة لشاطبي الديون شهيتهم للمزيد من التدخل البريء وغير البريء في ادارة شؤون التنمية، واعادة انتاج الديون من جديد، فربما ثمة مناجم جديدة في قلب افريقيا لا يراها سوى القادة الكبار، وثمة مراكب تمخر البحار تحمل العبيد من جديد. فالوعد سيبقى ينزف ما لم يلمس الافارقة جدية مسار التاريخ والاحداث هذه المرة.

كاتب أردني

basimtwissi@hotmail.com

التعليق